دبلوماسيّ أميركيّ: السّلوك الإماراتيّ مُخيّب للآمال

مدة القراءة 5 د

يفسّر السفير الأميركيّ السابق لدى المملكة العربيّة السعوديّة مايكل راتني الردّ السعوديّ الحادّ على التطوّرات الأخيرة في جنوب اليمن بأنّه يعكس مخاوف عميقة تتعلّق بالاستقرار الإقليميّ، الأمن الوطنيّ وتماسك مجلس التعاون الخليجيّ.

 

يعتبر الدبلوماسيّ الأميركيّ الذي كان له لأكثر من ثلاثة عقود دور محوريّ في مبادرات دبلوماسيّة رفيعة المستوى في جميع أنحاء الشرق الأوسط، أنّه لم يكن ممكناً أن يُقدِم المجلس الانتقاليّ الجنوبيّ على السيطرة على أراضٍ في حضرموت والمهرة من دون ضوء أخضر من الإمارات.

يرى أنّ ما جرى كان بمنزلة تفضيل الإمارات للمجلس الانتقاليّ على علاقتها مع الرياض. اعتبرت السعوديّة سيطرة قوّات مدعومة إماراتيّاً على أراضٍ كانت بيد قوّات مدعومة سعوديّاً خطوة عدائيّة، لا سيما أنّ جميع هذه القوى يفترض أن تكون منشغلة بمحاربة الحوثيّين. ولذلك شكّلت تصرّفات الإمارات تأجيجاً غير ضروري للصراع الإقليميّ من دون سبب مفهوم.

تقوم المقاربة السعوديّة للمنطقة برمّتها على مبدأ خفض التصعيد في النزاعات الإقليميّة، التي يتعذّر إيجاد حلول مُرضية لمعظمها

بالنسبة لراتني “لا يزال الدور الإماراتيّ في هذه التطوّرات محيّراً وغير مفهوم، في حين يبدو موقف السعوديّة أكثر قابليّة للفهم، وذلك لأربعة اعتبارات رئيسة:

  • تقوم المقاربة السعوديّة للمنطقة برمّتها على مبدأ خفض التصعيد في النزاعات الإقليميّة، التي يتعذّر إيجاد حلول مُرضية لمعظمها. فالسعوديّة تخوض منذ تسع سنوات تحوّلاً اجتماعيّاً واقتصاديّاً طموحاً للغاية، وترى في استمرار الصراعات الإقليميّة تهديداً رئيساً لنجاح هذا المسار. وفي وقت تسعى السعوديّة إلى التهدئة، ترى أنّ الإمارات تؤجّج التوتّرات الإقليميّة على نحو لن ينتهي بخير لأحد.
  • ترى السعوديّة أنّ أيّ نزعة انفصاليّة على حدودها الجنوبيّة تهديد مباشر لأمنها الوطنيّ، إذ من شأن انفصال الجنوب إضعاف الحكومة اليمنيّة المعترَف بها دوليّاً وتعزيز موقف الحوثيّين، وبالتالي توسيع النفوذ الإيرانيّ في شبه الجزيرة العربيّة. هذا ونتائج الانفصال غير مضمونة وقد تقود إلى صراعات داخليّة أو توسّع حوثيّ أو تراجع النفوذ السعوديّ، وهي مخاطر غير مقبولة بالنسبة للقيادة السعوديّة.
  • قد تتوقّع السعوديّة تهديدات لأمنها من قوى وكيلة مدعومة من دولة كإيران، لكنّ الأمر الأكثر إثارة للصدمة هو مواجهة هذه التهديدات بدعم من دولة عضو في مجلس التعاون الخليجيّ، بغضّ النظر عن أيّ خلافات قد تكون بين البلدين. وهذا وحده يفسّر خيبة أمل السعوديّة الكبيرة من سلوك الإمارات. فبالنسبة للسعوديّة، لا يمكن لهذا النمط أن يستمرّ دون الإضرار بتماسك مجلس التعاون الخليجيّ وقدرته الجماعيّة على مواجهة خصومه المشتركين الحقيقيّين.
  • سيصبح محمّد بن سلمان وربّما قريباً ملكاً على المملكة العربيّة السعوديّة. وعلى الرغم من المساواة النظريّة بين الدول الأعضاء الستّ في مجلس التعاون الخليجيّ، يُنظر إلى هذا المنصب على نطاق واسع على أنّه الأوّل بين المتساوين، وبالنسبة للكثيرين، زعيم العالم العربيّ والإسلاميّ الأوسع. هذه ليست لحظة يمكن فيها لمحمّد بن سلمان أن يتصرّف إلّا بحزم لحماية الأمن القوميّ لبلاده والحفاظ على صدقيّة الجهود السعوديّة لتوحيد اليمن وإضعاف النفوذ الإيرانيّ.

يفسّر السفير الأميركيّ السابق لدى المملكة العربيّة السعوديّة مايكل راتني الردّ السعوديّ الحادّ على التطوّرات الأخيرة في جنوب اليمن بأنّه يعكس مخاوف عميقة تتعلّق بالاستقرار الإقليميّ

يذكّر راتني، الذي يشغل اليوم منصب مستشار أوّل لبرنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجيّة والدوليّة، بأنّ الخلاف الخليجيّ عام 2017، الذي أدّى إلى حصار قطر وعزلها، نشأ من اتّهامات مشابهة بأنّ الدوحة كانت تؤجّج التوتّرات الإقليميّة على نحو يتعارض مع الأمن الجماعيّ للخليج، وأنّ تلك الأزمة داخل مجلس التعاون لم تنتهِ في نهاية المطاف بجهود خارجيّة، بل بفضل قادة المجلس أنفسهم الذين وجدوا طريقاً للمصالحة مدفوعين بالضرورات الاقتصاديّة المشتركة.

يعتبر راتني أنّ الخلاف الحاليّ على اليمن هو أكبر أزمة علنيّة داخل مجلس التعاون منذ ذلك الحين، ويُمثّل لحظة بالغة الخطورة لمجلس التعاون الخليجيّ، إذ إنّ استمراره يخدم مصالح إيران وغيرها من خصوم المجلس الإقليميّين. ولذلك يظلّ خفض التصعيد واستعادة التنسيق مصلحة جماعيّة ملحّة للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

يرى أيضاً أنّ الخلاف السعوديّ-الإماراتيّ الحاليّ مقلق، لكنّه ليس بالضرورة غير قابل للاحتواء. لدى الطرفين مصلحة مشتركة في خفض التصعيد والحفاظ على وحدة الصفّ الخليجيّ وعدم منح خصومهما الإقليميّين مكاسب مجانّية. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب وضوحاً أكبر في الأهداف، تنسيقاً أوثق في اليمن، وإدراكاً مشتركاً أنّ أيّ تصعيد داخليّ في البيت الخليجيّ ستكون كلفته أعلى من أيّ مكسب تكتيكيّ قصير الأمد.

إقرأ أيضاً: 2026: تداخل أزمات العالم يزيد المخاطر تعقيداً

لقراءة النص بلغته الأصلية اضغط هنا

مواضيع ذات صلة

فريدمان يسأل ترامب: ماذا عن بوتين وجين بينغ؟

حذّر المحلّل والكاتب السياسيّ الأميركيّ توماس فريدمان من أنّ تدخّل إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في فنزويلّا وإزاحتها الرئيس نيكولاس مادورو ينطويان على مسؤوليّات عميقة…

2026: تداخل أزمات العالم يزيد المخاطر تعقيداً

يتوقّع خبراء المعهد الملكيّ للشؤون الدوليّة (تشاتام هاوس) أن يشكّل عام 2026 اختباراً حقيقيّاً لقدرة النظام الدوليّ على الصمود في وجه أزمات متداخلة ومتعدّدة. فالعالم…

انهيار العملة وغليان الشّارع: اختبار صعب للنّظام الإيرانيّ

تواجه إيران واحداً من أشدّ الاختبارات الاقتصاديّة والسياسيّة في السنوات الأخيرة، مع انهيار العملة وارتفاع التضخّم إلى مستويات قياسيّة وتداعيات الحرب والعقوبات، وهو ما دفع…

الشّرق رهين الأزمات: 2026 عام إدارة الصّراعات لا حلّها

يتوقّع خبراء دوليون أن تكون منطقة الشرق الأوسط في عام 2026 أكثر هشاشة، معتبرين أنّه سيكون عاماً مفصليّاً في رسم ملامح العقد المقبل للمنطقة، إذ…