المسيحيّون اللّبنانيّون: من فائض الدّور إلى ارتباك الخيار

مدة القراءة 9 د

لم يدخل المسيحيّون اللبنانيّون مرحلة التراجع دفعة واحدة، بل تسلّلوا إليها تدريجاً، عبر سلسلة “خيارات خاطئة”، تسويات غير متكافئة وقراءات قاصرة للتحوّلات الإقليميّة. الأخطر من التراجع نفسه هو أنّ هذا المسار جرى تطبيعه سياسيّاً حتّى بات يُدار ولا يُقاوَم، ويُبرَّر ولا يُفكَّك. ولم تعُد الأزمة في خسارة النفوذ، بل في اعتياد خسارته، وفي بناء خطاب يتكيّف مع التراجع بدل أن يسعى إلى قلب معادلاته.

 

 

لم تكن أزمة المسيحيّين اللبنانيّين يوماً أزمة عدد، ولا أزمة حقوق بالمعنى الدستوريّ الضيّق، بل كانت ولا تزال أزمة دور وخيار. فالمسيحيّون، الذين أسّسوا مع شركائهم المسلمين الكيان اللبنانيّ الحديث، انتقلوا تدريجاً من موقع الشريك المؤسِّس في إنتاج المعنى السياسيّ للدولة، إلى موقع المكوِّن القَلِق على موقعه. وفي هذا الانتقال، لم يكن التراجع ديمغرافيّاً فقط، بل فكريّاً وسياسيّاً. فالمشكلة لم تعُد في “كمْ مسيحيّ بقي؟”، بل في: “أيّ مسيحيّ بقي؟ ولماذا؟ وبأيّ أفق؟”.

أخطر ما واجهه المسيحيّون اللبنانيّون في العقود الأخيرة هو قبولهم الضمنيّ بالتحوّل من شركاء في القرار إلى مقدِّمي خدمات ممتازين داخل نظام لا يشاركون في تحديد اتّجاهه. نعم، المسيحيّون بارعون في التعليم، الطبّ، الثقافة، الإعلام والفنون. لكنّ تحويل هذا التفوّق إلى بديل عن السياسة يعني القبول بدور ثانويّ مهما بدا لامعاً.

لم يعد انخراط المسيحيّين اللبنانيّين في محيطهم العربيّ مسألة هويّة ثقافيّة أو انتماء وجدانيّ، بقدر ما بات سؤال مصلحة سياسيّة في زمن تفكُّك الصيغ وانهيار الأيديولوجيات الكبرى

من “الدّور المؤسِّس” إلى العزلة الاختياريّة

عمليّاً، امتلك المسيحيّون اللبنانيّون، حتّى الحرب الأهليّة، فائض دور إقليميّ وثقافيّ: كانوا جسراً بين الشرق والغرب، حاضنةً لحداثةٍ عربيّةٍ ومختبراً للتعدّديّة السياسيّة والفكريّة. لكنّ هذا الفائض تحوّل، بعد الحرب، إلى عبء لم يُحسنوا تفكيكه. فبدل أن يُعاد إنتاج الدور على أسس جديدة، جرى الارتهان لسرديّات ماضويّة: أولاها عن “الدور الرسالي”، ثانيتها تتركّز على “الخطر الوجوديّ”، وأمّا الثالثة فجوهرها “الحقوق المسلوبة”. وهي سرديّات، على أهميّتها الرمزيّة، لم تعُد قادرة على صياغة سياسة، ولا على إنتاج خيار واضح في عالم صار يتغيّر باستمرار.

الثابت السياسيّ في الصيغة اللبنانيّة أنّ المسيحيّين اللبنانيّين شكّلوا تاريخيّاً، نموذجاً نادراً في المشرق: أقليّة دينيّة ذات فائض ثقافيّ ـ سياسيّ لعبت دوراً محوريّاً في بناء الدولة، صياغة المجال العامّ وربط لبنان بشبكات الاقتصاد والمعرفة الحديثة. لكنّ هذا الدور ارتبط بسياق تاريخيّ محدّد: دولة ناشئة، توازنات إقليميّة هشّة ونظام تمثيليّ يقوم على التسويات الطائفيّة.

قبل الحرب الأهليّة، لم يشكّل المسيحيّون اللبنانيّون أحد أعمدة المشروع اللبنانيّ بوصفهم طائفة، بل بوصفهم حَمَلَةً لفكرة الدولة، الاقتصاد الحرّ، التعليم الحديث والفضاء الثقافيّ العربيّ المفتوح. لكنّ هذه الشراكة التأسيسيّة لم تُستثمر سياسيّاً بعد الحرب، بل جرى الانكفاء عنها لمصلحة خطاب حماية الذات. واختارت النخب المسيحيّة أو جزء كبير منها الانسحاب من سؤال الدولة والتمركز حول سؤال الطائفة.

ليست المشكلة أنّ الخيارات صعبة، بل إنّ التهرّب منها أصبح نهجاً. فالمسيحيّون اللبنانيّون، نخباً وجماعة سياسيّة، لم يحسموا موقعهم من الأسئلة التأسيسيّة: هل العيش المشترك تسوية طائفيّة أبديّة أم مسار نحو دولة مدنيّة؟ هل الامتياز الطائفيّ ضمانة أم عائق تاريخيّ؟ هل العروبة خطر يجب التحوّط منه أم فضاء يمكن إعادة الانخراط فيه؟ هل السلام قيمة أخلاقيّة أم خيار استراتيجيّ؟ وهل الحداثة أسلوب حياة أم مشروع دولة؟

“الجبهة اللّبنانيّة”: الذاكرة المشوّهة

حين يُطرح شعار “وحدة المسيحيّين”، كما في “لقاء قرطبا الميلاديّ” الذي دعا إليه رئيس “لقاء سيّدة الجبل” الدكتور فارس سعَيد، لا يُقصد منه أو يجب أن لا يُقصد منه إعادة إنتاج نموذج “الجبهة اللبنانيّة” أو الاصطفاف المغلق. فالتجارب أثبتت أنّ الوحدة القائمة على الخوف لا تنتج سياسة، بل تعمِّق العزلة.

ليست “الوحدة المسيحيّة” المطلوبة اليوم تنظيماً حزبيّاً ولا تحالفاً انتخابيّاً، بل مساحة تفكير جماعيّ عبر أحزاب، شخصيّات مستقلّة، جامعات، اغتراب، مجتمع مدنيّ وكنائس، لا لتوحيد الخطاب، بل لتحديد المصلحة المسيحيّة الواقعيّة في ظلّ التحوّلات الإقليميّة الكبرى. وليست الوحدة هنا أيديولوجيّة، بل وظيفيّة: وحدة حول السؤال لا حول الجواب. ولا يمكن تفكيك المأزق المسيحيّ من دون مقاربة إرث “الجبهة اللبنانيّة”. فهذه التجربة، مهما كان سياقها التاريخيّ، تحوّلت لاحقاً إلى مرجع نفسيّ أكثر منه سياسيّاً. جرى استدعاؤها لتكون رمزاً للقوّة والصلابة، من دون مساءلة نتائجها الكارثيّة على مستوى الدولة والمجتمع.

عمليّاً، امتلك المسيحيّون اللبنانيّون، حتّى الحرب الأهليّة، فائض دور إقليميّ وثقافيّ: كانوا جسراً بين الشرق والغرب، حاضنةً لحداثةٍ عربيّةٍ ومختبراً للتعدّديّة السياسيّة والفكريّة

في لحظة انهيار الدولة، اختارت الجبهة اللبنانيّة تعريف السياسة بوصفها دفاعاً عن الجماعة لا مشروعاً وطنيّاً، وتحويل الهويّة إلى أداة تعبئة مركزيّة، وتعليق النقاش الداخليّ بحجّة الخطر الوجوديّ. هذه الخيارات، وإن بدت آنذاك مفهومة، أسّست لنمط ذهنيّ استمرّ بعد انتهاء الحرب.

إنّ بقاء المسيحيّين اللبنانيّين شركاء أصليّين في الصيغة اللبنانيّة لا يتحقّق عبر خطاب الخصوصيّة وحده، بل عبر إثبات أنّ هذه الخصوصيّة قادرة على التعايش لا على التعالي والانفصال. الصيغة اللبنانيّة المُعبَّر عنها بـ”وثيقة الوفاق الوطنيّ (الطائف)” ليست تحالف أقلّيّات خائفة، بل عقد مصلحة بين جماعات قرّرت أن تعيش معاً لأنّها لا تستطيع أن تعيش منفصلة.

الكنيسة والاغتراب: ظاهرة عالميّة في أزمات الأقلّيّات

حين تغيب السياسة تبرز المؤسّسات الدينيّة والاغتراب بدائل اضطراريّة. ليس هذا النمط لبنانيّاً خالصاً. نراه لدى:الأقباط في مصر، الأرمن في الشتات، وبعض الجماعات اليهوديّة قبل قيام إسرائيل. لكنّ المقارنة تُظهر أنّ هذه البدائل لا تُنتج سياسة، بل تُدير القلق، وتُكرّس الانسحاب من المجال العامّ على المدى الطويل.

تلعب الكنيسة عمليّاً دوراً روحيّاً وأخلاقيّاً لا يمكن إنكاره، لكنّها ليست بديلاً عن السياسة. ويكمن الخطر حين تُحمَّل ما عجزت النخب السياسيّة عن إنتاجه، فتتحوّل إلى مرجعيّة سياسيّة بحكم الفراغ لا بحكم الدور.

على الرغم من ضخامة الاغتراب المسيحيّ العدديّة والاقتصاديّة، لا يزال مُستَخدَماً رافعةً ماليّة أو انتخابيّة لا شريكاً في صياغة الرؤية والدور. ولم يُطرح عليه بجدّيّة سؤال: ما معنى أن تكون مسيحيّاً لبنانيّاً خارج لبنان وفي أيّ مشروع وطنيّ تريد أن تشارك؟

المسيحيّون اللبنانيّون يقفون اليوم أمام مفترق بنيويّ: إمّا الانتقال من إدارة الموقع إلى إنتاج خيار، وإمّا التحوّل النهائيّ إلى جماعة وظيفيّة داخل دولة مأزومة

من وهم الهويّة إلى عقل المصلحة

لم يعد انخراط المسيحيّين اللبنانيّين في محيطهم العربيّ مسألة هويّة ثقافيّة أو انتماء وجدانيّ، بقدر ما بات سؤال مصلحة سياسيّة في زمن تفكُّك الصيغ وانهيار الأيديولوجيات الكبرى. ليس العالم العربي الذي يحيط بلبنان اليوم عالم القوميّة العربيّة ولا عالم الصراعات الأيديولوجيّة بين اليمين واليسار، بل عالم الدول المتعَبة والمجتمعات المنهَكة والسلطات التي تبحث عن الاستقرار أكثر ممّا تبحث عن الرسائل.

لذلك كلّه، لا يمكن أن تُبنى إعادة تموضع المسيحيّين اللبنانيّين داخل هذا العالم غير الأيديولوجيّ على خطاب الخوف، بل على إدراك بسيط أنّ الصيغة اللبنانيّة نفسها لا يمكن أن تُحمى إلّا إذا كان المسيحيّون شركاء طبيعيّين في محيطهم، لا جماعة قَلِقة منه. وتاريخيّاً، لم يكن الحضور المسيحيّ في لبنان منفصلاً عن المشرق العربيّ. على العكس، كان هذا الحضور أحد روافع النهضة العربيّة في الصحافة والتعليم واللغة والاقتصاد.

لا يطلب العالم العربيّ اليوم من المسيحيّين اللبنانيّين تبنّي أيديولوجية جامعة ولا الانصهار في مشروع قوميّ ولا التخلّي عن خصوصيّتهم الثقافيّة. ما يطلبه، عمليّاً، هو أمر واحد: أن يكونوا فاعلين عقلانيّين يتعاملون مع المنطقة كما هي، لا كما يتمنّونها. وهذا بالضبط ما يفرضه منطق المصلحة.

لا يستطيع المسيحيّون في لبنان حماية موقعهم السياسيّ عبر الارتهان للخارج الغربيّ وحده، ولا عبر تحويل أنفسهم إلى أقليّة محايدة في صراع الآخرين. أثبتت التجربة أنّ الغرب يتعامل مع لبنان بوصفه ملفّاً لا قضيّة، وأنّ الحياد السلبيّ في منطقة متفجّرة لا يُنتج حماية بل هشاشة مضاعَفة. ففي زمن ما بعد الأيديولوجية، لا يبقى للأقليّات إلّا خيار واحد: أن تكون جزءاً من الحلّ لا جزءاً من المشكلة.

 إقرأ أيضاً: جوزف عون يُمسك بخيط الدولة الوطنية

الخيار شرطٌ للبقاء السّياسيّ

في علم السياسة، لا تتلاشى الجماعات حين تخسر معركة، بل حين تفقد القدرة على الاختيار. والمسيحيّون اللبنانيّون يقفون اليوم أمام مفترق بنيويّ: إمّا الانتقال من إدارة الموقع إلى إنتاج خيار، وإمّا التحوّل النهائيّ إلى جماعة وظيفيّة داخل دولة مأزومة. والخيار، كما تُظهر كلّ التجارب المقارنة، لا يُشتقّ من الخوف، بل من الجرأة النظريّة أوّلاً، ثمّ السياسيّة.

المسيحيّون اللبنانيّون أمام مفترق لا يحتمل المواربة: إمّا الاستمرار في دور ثقافيّ ـ خَدَميّ مشرِّف لكن منزوع السياسة، وإمّا خوض معركة الأفكار والخيارات، بكلّ ما تحمله من كلفة وصدام ديمقراطيّ ـ سياسيّ. ففي التاريخ، لم تختفِ الجماعات لأنّها ضعفت، بل لأنها تخلّت عن الجرأة على الاختيار. والمسيحيّون إن أرادوا أن يبقوا شركاء في صناعة المستقبل لا شهوداً عليه، مطالَبون اليوم لا غداً بأن يحدّدوا خياراتهم بوضوح وبلا خوف.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@jezzini_ayman

مواضيع ذات صلة

“تأجيل” السلاح… خدمة لمشروع الكيان العلوي

إذا وضعنا جانباً الحملة المتجددة للحزب على الحكومة التي يرئسها نواف سلام، يبقى أنّ أهمّ ما تضمنه الخطاب الأخير لنعيم قاسم، بل جديد الخطاب، دعوته…

نتنياهو يستدعي التّاريخ “الفارسي” لتبرير الحرب

من أهمّ الأعياد اليهوديّة عيد “البوريم”، وهو عيد النجاة من محاولة طردهم من إيران في عهد الإمبراطوريّة الأخمينيّة (Achaemenid). حدث ذلك في القرن الخامس قبل…

محمد بن سلمان… “هندسة التوازن” في وجه جموح العدو و”الشقيق أيضاً”

“السلام ليس غياب الحرب، بل إدارة الصراع“ (ريموند آرون) كانت واحدة من اللحظات القليلة التي تجهّم فيها وجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال المؤتمر الصحافي…

أحمد الشّرع.. الأكثر إثارة للجدل

قد تختلف الآراء عند المحلّلين والمختصّين في السياسة الدوليّة على الشخصيّة السياسيّة الأبرز في عام 2025. الاختلاف أمر طبيعيّ، فقد كان عاماً مليئاً بالأحداث والتحوّلات،…