السّيسي في مواجهة التّحدّيات: الأمن القوميّ أوّلاً

مدة القراءة 6 د

أدرَكَ الرّئيس المصريّ عبدالفتّاح السّيسي منذ اللحظة الأولى التي باشرَ فيها قسم اليمين الدّستوريّ أنّ مهمّتهُ لن تكونَ سهلة. كانت مصر، ولا تزال، محاطةً ببيئاتٍ غير مُستقرّة، أكانَ في جارتها الغربيّة ليبيا، أو جارتها الجنوبيّة السّودان، أو في قطاع غزّة المُجاور لشبهِ جزيرة سيناء، ومن خلفِ تلكَ الحدود إسرائيل التي اختارَت اللعبَ في العمق الحيويّ للأمن القوميّ المصريّ في سوريا وأرضِ الصّومال والبحرِ الأحمر وفي إثيوبيا حيثُ سدّ النّهضة.

 

لم تكُن التحدّيات التي واجهها الرّئيس السّيسي طوال سنواتِ حكمه الـ11 سهلةً البتّة. فمن الطّبيعي أن تنهار في الأشهر الأولى أيّ دولةٍ طبيعيّة تواجهُ التحدّيات السّياسيّة والمائيّة والاقتصاديّة والنّقديّة التي مرّت بها مصر. لكنّ مصرَ بحدّ ذاتها حالةٌ خاصّة.

إنّها حضارةٌ ضاربةٌ في عمقِ التّاريخ، مساحةٌ شاسعة تُعبّر عن عِظَمِ البلد الذي يُعتبر قلب العالم العربيّ، وجيشٌ ثابتٌ لم تستطِع أعتى الرّياحِ إسقاطه كما حصلَ في العِراق وسوريا.

يُدركُ السّيسي أنّ حماية الدّاخل المصريّ تُحتّمُ حماية أرضِ الكنانةِ من الخارج. ويعرفُ أيضاً أنّ ما يُحاكُ في محيطِ مِصرَ ليسَ بريئاً البتّة. لذلكَ عملَ الرّئيس المصريّ على 3 مستويات في السّنة الأخيرة، فحصّنَ مصرَ من الخارجِ وصولاً إلى داخلِ أسوارِ القاهرة.

من الطّبيعي أن تنهار في الأشهر الأولى أيّ دولةٍ طبيعيّة تواجهُ التحدّيات السّياسيّة والمائيّة والاقتصاديّة والنّقديّة التي مرّت بها مصر

غزّة: ضربُ التّهجير من أجلِ فلسطين.. ومصر

غاصَ المسؤولون المصريّون في عُمقِ “المحيط الغزّيّ”.  إذ كانت النّيّة الإسرائيليّة واضحةً تحتَ نيران الحربِ التي شنّها بنيامين نتنياهو على قطاع غزّة بعد السّابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، وهي تهجير الغزّيّين إلى سيناء وإغراق شبه الجزيرة المصريّة بمئات آلاف اللاجئين، الذين لن يكتُبَ لهم نتنياهو العودةَ تمهيداً للانقضاض التّامّ على القطاع.

عملَ السّيسي ومسؤولو بلادهِ بصمتٍ وهدوءٍ على الرغم من ضجيج المُقاتلات والقنابل الإسرائيليّة. كانَ هدفُ القاهرة معاكساً لهدف تل أبيب: لا تهجير لأيّ فلسطينيّ من قطاع غزّة.

هذا ما استطاعَ السّيسي ومعه الدّول العربيّة تثبيتَه في مُقترَح الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب لوقفِ الحربِ في غزّة. إذ أصرّ المصريّون طوال الأسابيع التي سبقَت إعلان الاتّفاقِ على أن يتضمّن نصّاً واضحاً يمنعُ التهجير القسريّ لسكّان القطاع الذي يرتبطُ ارتباطاً وثيقاً بالأمن القوميّ لمصر.

قبل ذلك تعرّضت مصر والسّيسي لحملات تخوينٍ عنوانها أنّ مصرَ تمنع فتحَ معبر رفح بالاتّجاهيْن. لكنّ الوقتَ والصّمت كانا كفيلَيْن بإظهار أهميّة ما قامت بهِ مصر منذ صباح السّابع من أكتوبر. وذلكَ حين أدركَت منذ ساعات الفجر الأولى أنّ ما يحصلَ لن يبقى ضمنَ حدود القطاع.

لذلكَ كانَ المصريّون يحيكون الهدنة تِلوَ الأخرى بالتّعاون مع دولة قطر، وحرصوا على أن تكونَ القاهرة طاولةَ المباحثات التي وضعت الأسُسَ الأولى لاتّفاق وقف الحرب في غزّة. وليسَ صدفةً أن يُتوِّجَ السّيسي انتصاره السّياسيّ على المُخطّط الإسرائيليّ من مدينةِ شرم الشّيخ التي حملَ الاتفاق اسمَها.

ترسّخَ هذا المفهوم برسالةٍ لا تقلّ أهميّة عن الاتّفاق، وهي حضور الرّئيس ترامب إلى شرم الشّيخ لإعلان الاتّفاق. وذلكَ على الرّغم من أنّ الرّئيس السّيسي لم يُلبِّ دعوة ترامب إلى زيارة البيت الأبيض أكثر من مرّة قبل إقرار الاتّفاق وضمان عدم تهجير أيّ مواطنٍ فلسطينيّ من غزّة.

يُدركُ السّيسي أنّ حماية الدّاخل المصريّ تُحتّمُ حماية أرضِ الكنانةِ من الخارج. ويعرفُ أيضاً أنّ ما يُحاكُ في محيطِ مِصرَ ليسَ بريئاً البتّة

السّودان.. دعم الشّرعيّة

على الحدود الجنوبيّة، كانت مصر تعمل على دعم المؤسّسة الوطنيّة المُتمثّلة بالجيش السّودانيّ، انطلاقاً من أنّ دور مصر التّاريخي لا يتكامل إلّا بالتعاون مع المؤسّسات الوطنيّة لا الميليشيات والفصائل المُتمرّدة على المؤسّسات. ولأنّ استقرار مصر من استقرار السّودان لعبت مصر الدّور الأبرز سياسيّاً ودبلوماسيّاً وعسكريّاً لدعم السّلطة الشّرعيّة. وقد شهِدَ عام 2025 عدّة خطواتٍ سياسيّة لدعم الجيش والشّرعيّة السّودانيّة في مُختلف المحافل السّياسيّة. ولن يطولَ الشّرحُ حتّى يتبيّن أنّ الدّبلوماسيّة الصّامتة التي تنتهجها مصر لعبت الدّور الأبرز في ذلك.

هذا ما تجلّى أيضاً في التقدّم الذي أحرزه الجيش السّودانيّ ميدانيّاً في أكثر من منطقة استراتيجيّة في غرب وشرق ووسط البلاد. وكان الرّئيس المصريّ استشعرَ الخطرَ الآتي من السّودان وأبعد، وأدرَك ما يُحاكُ لتلكَ البقعة من إفريقيا، التي يُراد عبرها تطويق مصرَ سياسيّاً وأمنيّاً وعسكريّاً. لذا تجاوزت القاهرة حدود السّودان نحوَ الصّومال، فوجودها هُناك له أهمّيّة لضربِ أيّ حراكٍ يُراد منه ضرب الأمن القوميّ المصريّ، أكانَ من مسافة قريبة أو بعيدة.

الاقتصاد والنّقد.. وحلول المرحلة

لم تقف التحدّيات التي تواجهها مصر ورئيسها عند حدود السّياسة والعسكر. فقد كانت الدّولة المصريّة تواجه خصماً داخليّاً لا يقلّ خطورةً عن مخاطر الخارج، ألا وهو التّلاعب باستقرار العملة الوطنيّة والاقتصاد.

 إقرأ أيضاً: من يُدخل “ضبّاط” الأسد إلى لبنان؟

كافحت الحكومة المصريّة السّوق السّوداء التي تلاعبت بسعر صرف العُملات الأجنبيّة، واتّخذت خطواتٍ فاعلةً في كبحِ هذا التّلاعب، فنجحت في الأشهر الأخيرة في السّيطرة على سعر صرف النّقد الأجنبيّ، وحصرت التّداول بالعملات الأجنبيّة، ومنها الدّولار، عبر المصارف التي تخضع لرقابة المصرف المركزيّ.

زادت أيضاً حضور الاستثمارات العربيّة، وتحديداً الخليجيّة منها، والاستثمارات الأجنبيّة في قطاعات السّياحة واستثمار الأراضي في العاصمة القاهرة وفي منطقة السّاحل الشّماليّ ومنطقة البحر الأحمر، وأبرمت عقود شراكات استثماريّة في قطاعَيْ الكهرباء والطّاقة، فتعزّزَت موجودات المصرف المركزيّ من العملة الصّعبة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@IbrahimRihan2

مواضيع ذات صلة

“الفجوة الماليّة” تُجوِّف الحكومة

بعد نحو عام من انقضاء العام الأوّل للعهد الذي دُشّن بانتخاب قائد الجيش جوزف عون رئيساً للجمهوريّة في 9 كانون الثاني، ثمّ إعلان مراسيم حكومة…

أرض الصّومال وإسرائيل: تهجير الفلسطينيّين إلى القرن الإفريقيّ؟

في وقتٍ ينشغل فيه العالم بتداعيات الحرب على غزّة، تتكشّف بهدوء مسارات سياسيّة وجيوسياسيّة تعيد إلى الواجهة عنوان التهجير القسريّ للفلسطينيّين، لكن هذه المرّة نحو…

من يُدخل “ضبّاط” الأسد إلى لبنان؟

دقّ اغتيال قائد مجموعة “الطّراميح” غسّان السّخني جرسَ إنذارٍ جدّيّ في لبنان يرتبطُ بنقطتيْن: – مسألة وجود القيادات العسكريّة والميدانيّة والأمنيّة لنظام بشّار الأسد في…

ثلاث معارك ومصير الانتخابات مجهول

ما هو مصير قانون الانتخابات على بُعد أربعة أشهر ونصف فقط من الموعد المفترَض لإجراء الانتخابات النيابيّة؟ هل تقود خطوة رئيس الجمهوريّة جوزف عون بتوقيع…