قد يكون من الصعب إجراء جردة حساب دقيقة لمسار التطوّرات التي شهدتها الساحة الإيرانيّة في عام 2025 من دون العودة إلى السياق الأوسع الذي سبق هذا العام، إذ إنّ ما تعيشه إيران اليوم ليس حدثاً معزولاً أو طارئاً، بل هو نتيجة مباشرة لمسار تصاعديّ من الضغوط والتحدّيات والأزمات التي تراكمت على مدى السنوات الخمس الماضية. ارتبط هذا المسار عضويّاً بالصراع المفتوح بينها وبين الولايات المتّحدة من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، وبالتحوّلات الكبرى التي شهدتها منطقة غرب آسيا والشرق الأوسط.
اغتيال سليماني: نقطة التّحوّل الكبرى
تُشكّل العودة إلى مطلع كانون الثاني 2020 محطّة مفصليّة في هذا المسار، حين أعلن الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب تبنّيه اغتيال قائد قوّة القدس في الحرس الثوريّ الإيرانيّ الجنرال قاسم سليماني قرب مطار بغداد الدوليّ، برفقة نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقيّ أبي مهدي المهندس. لم تكن هذه العمليّة ضربة أمنيّة وحسب، بل جاءت تتويجاً لاستراتيجية أميركيّة بدأت عام 2018 مع انسحاب واشنطن من الاتّفاق النوويّ وإعادة فرض عقوبات اقتصاديّة قاسية على إيران.
جاء اغتيال سليماني ليعبّر بوضوح عن تغيير جذريّ في طبيعة التعامل الأميركيّ مع النظام الإيرانيّ، وإنهاء مرحلة التعايش غير المباشر التي كانت قائمة في الإقليم، إيذاناً بدخول مرحلة جديدة عنوانها حسم الملفّات الإقليمية، وإنهاء ازدواجيّة النفوذ، وبدء مسار طويل لتقليص الدور الإيرانيّ في المنطقة.
انكشاف أمنيّ ورسائل قاسية
لم تلتقط القيادة الإيرانيّة في حينه مؤشّرات هذه المرحلة الجديدة على نحو كافٍ، ولم تدرك أنّها دخلت فعليّاً دائرة الاستهداف المباشر من واشنطن وتل أبيب. فقد شكّل سليماني رأس المشروع الإقليميّ الإيرانيّ، وصاحب الدور المحوريّ في تحويل عدد من العواصم العربيّة إلى ساحات نفوذ إيرانيّة سياسيّة وأمنيّة واقتصاديّة. ومع إزاحته، بدأ مسار تفكيك هذا المشروع.
لم تمضِ سنة حتّى جاءت الضربة الثانية مع اغتيال رئيس البرنامج النوويّ الإيرانيّ الجنرال محسن فخري زاده في طهران في كانون الأوّل 2020، لتكشف عمق الاختراق الأمنيّ الإسرائيليّ وقدرة الموساد على العمل بحرّيّة داخل العمق الإيرانيّ واستهداف شخصيّات مركزيّة في النظام.
تشكّل العودة إلى مطلع كانون الثاني 2020 محطّة مفصليّة في هذا المسار، حين أعلن الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب تبنّيه اغتيال قائد قوّة القدس في الحرس الثوريّ الإيرانيّ الجنرال قاسم سليماني
ردود محدودة وخسائر استراتيجيّة
حملت الضربتان الأميركيّة والإسرائيليّة رسالة واضحة لطهران مفادها أنّ أوراق قوّتها الإقليميّة والنوويّة دخلت مرحلة التفكيك، بهدف إعادة إيران إلى داخل حدودها الجغرافيّة وتحويلها إلى دولة محدودة التأثير في المعادلات الإقليميّة. في المقابل، لم يكن الردّ الإيراني، سواء عبر استهداف قاعدة عين الأسد أو عبر خطوات سياسيّة، بمستوى الخسائر الاستراتيجيّة التي مُنيت بها، ولا قادراً على إعادة التوازن الذي اختلّ بفقدان سليماني.
مع وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض، بدت أمام إيران فرصة لتخفيف الضغوط والسعي إلى إحياء الاتّفاق النوويّ ورفع العقوبات. غير أنّ سياسة المماطلة والتسويف التي انتهجتها طهران حالت دون تحقيق اختراق حقيقيّ، فتبدّدت هذه الفرصة التاريخيّة.
7 تشرين الأوّل وتبدّل المعادلات
جاء السابع من تشرين الأوّل 2023 ليُحدث زلزالاً استراتيجيّاً في المنطقة مع العمليّة التي نفّذتها حركة حماس في قطاع غزّة. أدخلت هذه العمليّة المنطقة في مرحلة جديدة، ووضعت إيران في دائرة الاتّهام السياسيّ والأمنيّ، سواء عبر تحميلها مسؤوليّة مباشرة أو غير مباشرة عن العمليّة وتداعياتها.
وتعقّد المشهد أكثر مع إعلان “الحزب” انخراطه في حرب الإسناد، على الرغم من محاولات المرشد الأعلى النأي بإيران عن الاتّهامات الإسرائيليّة. إلّا أنّ تطوّر الاستهدافات الإسرائيليّة، لا سيما في سوريا، نقل المواجهة إلى مستويات غير مسبوقة.
بلغ التصعيد ذروته عام 2024 مع اغتيال قادة بارزين في قوّة القدس إثر استهداف القنصليّة الإيرانيّة في دمشق، وهو ما دفع طهران إلى الردّ المباشر في عمليّة “الوعد الصادق 1″، مسجّلة أوّل اشتباك علنيّ ومباشر مع إسرائيل. تلت ذلك سلسلة من الضربات المتبادلة في العمقين الجغرافيّ والأمنيّ للطرفين.
اغتيالات داخل طهران وانكشاف خطير
شكّل اغتيال رئيس المكتب السياسيّ لـ”حماس” داخل طهران في تمّوز ضربة قاسية للنظام الإيرانيّ، بالتزامن مع اغتيال قيادات بارزة في “الحزب”. كشفت هذه العمليّات حجم الانكشاف الأمنيّ الإيرانيّ، وأدّت إلى إحجام طهران عن الردّ المباشر خشية الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
غير أنّ اغتيال الأمين العامّ لـ”الحزب” في أيلول واستهداف مقرّ الأمانة العامّة شكّلا ضربة استراتيجيّة لمحور المقاومة، ووصلت تداعياتهما إلى طهران التي أدركت أنّ استثماراتها الإقليميّة الممتدّة لعقود قد تصدّعت بشكل عميق.
أطلقت إيران عمليّة “الوعد الصادق 2” في محاولة لردّ الاعتبار، إلّا أنّ الردّ الإسرائيليّ اللاحق داخل العمق الإيرانيّ،
واستهداف الدفاعات الجوّيّة والرادارات كشفا هشاشة الغطاء الدفاعيّ، وأدّيا إلى تكريس شعور متزايد داخل إيران بأنّها باتت مكشوفة أمام الاستهداف المباشر.
سقوط دمشق وخسارة الجسر الاستراتيجيّ
دخلت إيران عام 2025 مثقلة بالخسائر، بعد انهيار النظام السوريّ وخروج بشّار الأسد من دمشق اللذين شكّلا خسارة رأس الجسر الاستراتيجيّ لمشروعها الإقليميّ نحو شرق المتوسّط، وقطعا طرق الإمداد الأساسيّة لحلفائها. تزامن ذلك مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض في ظروف إقليميّة أكثر تعقيداً.
تصاعدت الصراعات داخل منظومة الحكم، واشتدّت هجمات التيّار الراديكاليّ على حكومة بزشكيان، في ظلّ صراع خفيّ على السلطة ومستقبل النظام
مأزق الحليف اللّبنانيّ
خرج “الحزب” من الحرب مثقلاً بالخسائر العسكريّة والسياسيّة، واضطرّ إلى القبول بوقف إطلاق النار والعودة إلى تطبيق القرار 1701، مع وضع مسألة سلاحه على طاولة التفاوض، في ظلّ عجز واضح عن تحصين موقعه السابق.
داخليّاً، واجه الرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان معركة قاسية لتشكيل حكومته، وتعرّض لضغوط شديدة من التيّار الراديكاليّ أدّت إلى إقصاء شخصيّات محوريّة مثل محمّد جواد ظريف، ومنع تشكيل فريق اقتصاديّ قادر على معالجة الأزمات المتراكمة، من تضخّم تجاوز 50% إلى أزمات الطاقة والمياه والغذاء.
على الرغم من ذلك، نجح بزشكيان في انتزاع موافقة المرشد الأعلى على فتح مفاوضات غير مباشرة مع واشنطن عبر وسطاء إقليميّين، واستضافة مسقط لهذه الجولة. غير أنّ الخلاف على التخصيب والبرنامج الصاروخيّ ودور إيران الإقليميّ، إلى جانب الهواجس الإسرائيليّة، جعل التوصّل إلى اتّفاق أمراً بالغ الصعوبة.
الحرب الكبرى والاختراق الدّاخليّ
مع انتهاء مهلة التفاوض، أُعطي الضوء الأخضر الإسرائيليّ لشنّ هجوم واسع على العمق الإيرانيّ استهدف قيادات عسكريّة وعلماء نوويّين ومنشآت استراتيجيّة، بمشاركة أميركيّة مباشرة. وعلى الرغم من فشل اغتيال المرشد الأعلى، كشفت العمليّة حجم الاختراق الأمنيّ الخطِر، خاصّة مع استخدام طائرات مسيّرة انطلقت من الداخل الإيرانيّ.
فشلت محاولات طهران في إعادة ترميم علاقاتها مع أوروبا، وتصاعدت الضغوط عبر الوكالة الدوليّة للطاقة الذرّيّة مع التلويح بإعادة تفعيل آليّة الزناد. في المقابل، لجأت إيران إلى تعميق تحالفاتها مع روسيا والصين وتفعيل دبلوماسيّة الشرق والجوار.
إقرأ أيضاً: من النّزاع العربي – الإسرائيلي إلى النّزاع الإيراني – الإسرائيلي
صراع السّلطة في الدّاخل
لكنّ هذه الجهود لم تنعكس استقراراً داخليّاً، إذ تصاعدت الصراعات داخل منظومة الحكم، واشتدّت هجمات التيّار الراديكاليّ على حكومة بزشكيان، في ظلّ صراع خفيّ على السلطة ومستقبل النظام، سواء في حال التسوية مع واشنطن أو في حال حدوث فراغ في قمّة الهرم السياسيّ.
