انهيار العملة وغليان الشّارع: اختبار صعب للنّظام الإيرانيّ

مدة القراءة 7 د

تواجه إيران واحداً من أشدّ الاختبارات الاقتصاديّة والسياسيّة في السنوات الأخيرة، مع انهيار العملة وارتفاع التضخّم إلى مستويات قياسيّة وتداعيات الحرب والعقوبات، وهو ما دفع أعداداً متزايدة من المواطنين إلى النزول إلى الشوارع.

 

 

لا تعكس الاحتجاجات التي اندلعت في طهران ومدن أخرى هذا الأسبوع الضغوط المعيشية المباشرة فقط، بل وأزمة أعمق تتعلّق بثقة الإيرانيّين بقدرة الجمهوريّة الإسلاميّة على إدارة الاقتصاد والحفاظ على الاستقرار الاجتماعيّ.

تُجمع تقارير “نيويورك تايمز” و”وول ستريت جورنال” و”فايننشيل تايمز” ومواقع إخباريّة ومدوّنات عدّة على صورةٍ لاقتصاد إيرانيّ يترنّح ونظام سياسيّ يواجه ضغوطاً متزايدة، ويقع في صلب الاضطرابات الانهيار الحادّ في قيمة العملة الإيرانيّة. فقد هبط الريال إلى مستويات قياسيّة في أواخر كانون الأوّل، متجاوزاً 1.44–1.45 مليون ريال مقابل الدولار الأميركيّ في السوق الحرّة، بحسب “وول ستريت جورنال” و”فايننشيل تايمز”. ومنذ الحرب التي استمرّت 12 يوماً مع إسرائيل في حزيران الفائت، فقدت العملة ما بين 40% و60% من قيمتها، وفقاً لمقاييس مختلفة. وبالتوازي، تسارع التضخّم ليصل إلى 42.2% على أساس سنويّ في كانون الأوّل، فأدّى إلى تآكل حادّ في القدرة الشرائيّة للأسر وضرب المدّخرات.

تواجه إيران واحداً من أشدّ الاختبارات الاقتصاديّة والسياسيّة في السنوات الأخيرة، مع انهيار العملة وارتفاع التضخّم إلى مستويات قياسيّة وتداعيات الحرب والعقوبات

الإعدامات الأعلى نسبة

بدأت الاحتجاجات بين التجّار وأصحاب المحالّ، لا سيما في المناطق التجاريّة في طهران. فقد أغلق باعة الإلكترونيّات قرب مجمّع “علاء الدين” للهواتف المحمولة، وانضمّ إليهم تجّار البازار الكبير التاريخيّ، بالإضافة إلى محالّ في محيط شارع فردوسي وجسر حافظ، وردّد المتظاهرون شعارات تطالب باستقرار سعر الصرف وتندّد بسوء الإدارة الاقتصاديّة. وقد أظهرت مقاطع مصوّرة، جرى التحقّق من بعضها بشكل مستقلّ، انتشار شرطة مكافحة الشغب واستخدام الغاز المسيّل للدموع لتفريق المتظاهرين قرب مراكز تسوّق ومناطق رئيسة لتداول العملات.

على الرغم من صعوبة تأكيد حجم الاحتجاجات بدقّة، تشير تقارير صحافية إلى أنّ أهميّتها تكمن في توقيتها، إذ تأتي في ظلّ حملة قمع واسعة للمعارضين. وتلفت “وول ستريت جورنال” إلى أنّ السلطات اعتقلت معارضين ونفّذت عدداً من الإعدامات هذا العام هو الأعلى منذ ما يقرب من أربعة عقود، في محاولة لمنع أيّ انتفاضة شعبيّة، لا سيما بعد حرب حزيران مع إسرائيل. وفي هذا السياق، تمثّل احتجاجات محدودة لكن متفرّقة جغرافيّاً تعبيراً واضحاً عن السخط الشعبيّ.

يحيا النظام الملكي

تتركّز مطالب المحتجّين على القضايا الاقتصاديّة، إلّا أنّ أبعاداً سياسيّة بدأت تطفو على السطح. فبحسب موقع  IntelliNews، تجاوز بعض المتظاهرين الشعارات المعيشيّة إلى هتافات ضدّ النظام، بل إنّ بعضهم استحضر شعارات مؤيّدة للنظام الملكيّ السابق، وهو تطوّر بالغ الحساسيّة بالنسبة للسلطات. وقد حذّر الحرس الثوريّ الإيرانيّ من محاولات لإعادة إنتاج “الفتنة” عبر حرب نفسيّة وإدراكيّة، فيما تعهّدت السلطة القضائيّة باتّخاذ إجراءات “حاسمة ورادعة” ضدّ محتكِري العملات ومُعطِّلي السوق.

الأثر المباشر للأزمة على حياة الإيرانيّين بالغ القسوة. فقد روى مواطنون لـ”نيويورك تايمز” و”فايننشيل تايمز” معاناتهم اليوميّة للحصول على الاحتياجات الأساسيّة. وأدّى تراجع قيمة الرواتب المقوّمة بالريال بسرعة إلى أن يعيش بعض العاملين على ما يعادل 100 إلى 200 دولار شهريّاً. وأجبرت الأسعار المرتفعة العائلات على تقليص استهلاك اللحوم ومشتقّات الألبان، حتّى موادّ أساسيّة كالحليب واللبن. وفي المقابل، ارتفعت أسعار العملات الذهبيّة، التي يعتمدها الإيرانيّون وسيلةً للتحوّط من التضخّم، إلى مستويات قياسيّة، متجاوزة الضعف منذ الحرب، بفعل ارتفاع الطلب المحلّي والأسعار العالميّة.

على الرغم من صعوبة تأكيد حجم الاحتجاجات بدقّة، تشير تقارير صحافية إلى أنّ أهميّتها تكمن في توقيتها، إذ تأتي في ظلّ حملة قمع واسعة للمعارضين

غذّت هذه الضغوط شعوراً عامّاً بالإرهاق والإهانة. وقال أحد المتقاعدين لـ”فايننشيل تايمز” إنّ الإيرانيّين “يتقاضون أجورهم بعملة تتحوّل إلى رماد” عند محاولة شراء الضروريّات. وتحدّث بعض التجّار عن حالة شلل شبه كامل في الأسواق نتيجة التقلّبات اليوميّة الحادّة في سعر الصرف، إذ من المستحيل تسعير السلع أو ممارسة التجارة بشكل طبيعيّ.

ترافقت الاحتجاجات مع اضطراب في قمّة هرم الإدارة الاقتصاديّة. فقد استقال محافظ البنك المركزيّ محمد رضا فرزين وقبِل الرئيس مسعود بزشكيان الاستقالة وعيّن عبدالناصر همتي، وزير الاقتصاد السابق، بديلاً له. وعلى الرغم من محاولات الحكومة التقليل من أهميّة هذا التغيير، قال محلّلون لـ”فايننشيل تايمز” إنّ تبديل الأشخاص لن يعالج الجذور البنيويّة للأزمة. وكان البرلمان قد عزل وزير الاقتصاد في آذار الماضي لأسباب مماثلة، من دون تحقيق أيّ تحسّن اقتصاديّ ملموس.

بحسب سعيد ليلز، المحلّل الإصلاحيّ، لن تحلّ التغييرات في المناصب الأزمة، وقال: “يحتاج الاقتصاد الإيرانيّ الآن إلى كبش فداء. من السخف تحميل فرد واحد مسؤوليّة اضطرابات العملة والتضخّم المرتفع”. وأكّد أنّ “جذور الأزمة تكمن في الفساد المستشري، العيوب الهيكليّة في القطاع المصرفيّ، الفوضى داخل حكومة بزشكيان وانخفاض الإيرادات نتيجة العقوبات الأميركيّة”.

تُجمع التحليلات على أنّ أسباب الأزمة عميقة ومنهجيّة. أشار خبراء لـ”نيويورك تايمز” إلى سوء الإدارة، انغلاق الاقتصاد والاختلالات الهيكليّة في القطاع المصرفيّ. قلّصت العقوبات الأميركيّة، ولا سيما تشديدها ضمن سياسة “الضغط الأقصى”، عائدات النفط وقيّدت الحصول على العملات الأجنبيّة. وزادت حرب حزيران مع إسرائيل الوضع سوءاً، إذ كشفت عن ثغرات أمنيّة وأجبرت الحكومة على تمويل كلفة الحرب من البنوك المحليّة، وهو ما فاقم الاضطراب الماليّ.

بعيداً عن المؤشّرات الاقتصاديّة، تعكس الاحتجاجات أزمة شرعيّة أعمق. وتشير “فايننشيل تايمز” إلى أنّ قطاعات متزايدة من المجتمع تطالب بإصلاحات سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة شاملة

الأرقام تحسم الجدل

وفقاً لتقارير إعلاميّة مختلفة، يتّفق محلّلون على أنّ إيران تواجه خيارات مؤلمة. فرفع العقوبات يتطلّب على الأرجح إعادة ضبط العلاقة مع الولايات المتّحدة وتنازلات في الملفّ النوويّ، وهي خطوات لا يبدو أنّ القيادة مستعدّة لها، خصوصاً بعد الحرب الأخيرة. أمّا خفض الإنفاق والدعم الحكومي بشكل حادّ فقد يساعد على الاستقرار الماليّ، لكنّه ينطوي على مخاطر تفجير احتجاجات أوسع.

حذّر أمير حسين مهدوي، طالب الدكتوراه في العلوم السياسيّة بجامعة كونيتيكت والمتخصّص في دراسة الاقتصاد الإيرانيّ، من خطر ترسّخ تضخّم مرتفع لفترة طويلة، على غرار تجارب دول مثل فنزويلا أو الأرجنتين. وقال لصحيفة “نيويورك تايمز” إنّ أمام الحكومة خيارات محدودة لمعالجة الأزمة بسرعة. وأضاف أنّ بإمكانها تغيير علاقتها مع الولايات المتّحدة مقابل تخفيف العقوبات، أو خفض الإنفاق الحكوميّ بشكل جذريّ، لكن لا يبدو أيّ من الخيارين مرجّحاً. فيما قال مصطفى باكزاد، وهو محلّل جيوسياسيّ مستقلّ متخصّص في إيران، إنّ التضخّم الغذائيّ الحادّ وزيادة القمع السياسيّ “أطاحا حتّى أكثر المتفرّجين تفاؤلاً”.

إقرأ أيضاً: الشّرق رهين الأزمات: 2026 عام إدارة الصّراعات لا حلّها

بعيداً عن المؤشّرات الاقتصاديّة، تعكس الاحتجاجات أزمة شرعيّة أعمق. وتشير “فايننشيل تايمز” إلى أنّ قطاعات متزايدة من المجتمع تطالب بإصلاحات سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة شاملة، وتلفت إلى تصاعد الغضب الحادّ الذي يعبّر عنه الإيرانيّون في الشارع وعلى الإنترنت. وبالنسبة لكثيرين، لم تعُد المشكلة اقتصاديّة فحسب، بل باتت تتعلّق بانفصال الخطاب الرسميّ عن واقع الحياة اليوميّة.

حتّى الآن، ردّت السلطات بمزيج من القمع، تنازلات اجتماعيّة محدودة ووعود بحُزَم إنقاذ مستقبليّة. غير أنّ الثقة تبقى ضعيفة في ظلّ استمرار تآكل الدخل وضياع المدّخرات. وكما قال أحد التجار، “يتحدّث المسؤولون عن الحرب النفسيّة والمؤامرات الخارجيّة، لكنّ الأرقام هي التي تحكم كلّ شيء”.

 

*لقراءة النص بلغته الأصلية اضغط هنا وهنا وهنا

مواضيع ذات صلة

الشّرق رهين الأزمات: 2026 عام إدارة الصّراعات لا حلّها

يتوقّع خبراء دوليون أن تكون منطقة الشرق الأوسط في عام 2026 أكثر هشاشة، معتبرين أنّه سيكون عاماً مفصليّاً في رسم ملامح العقد المقبل للمنطقة، إذ…

منفى الأسد وعائلته: احتفالات باذخة تحت الحراسة

يبدو أنّ بشار الأسد وعائلته، كما حاشيته المقرّبة، وجدوا ملاذاً آمناً ومترفاً في روسيا، بحسب تحقيق لصحيفة “نيويورك تايمز” كشف لمحاتٍ من حياة الرفاهية والبذخ…

مسؤول إيرانيّ سابق: التّغيير ممكن في حياة المرشد

من زنزانته، رفض السياسيّ الإصلاحيّ الإيرانيّ نائب وزير الداخليّة الإيراني الأسبق مصطفى تاج زاده فكرة انتظار وفاة المرشد الأعلى لإحداث التغيير، معتبراً أنّ تحوّلات كبرى…

ايران: متى يقع الشرخ داخل النخبة الحاكمة؟

في قراءة معمّقة لديناميّات المجتمع والدّولة في إيران، يقدّم باحثٌ إيرانيّ مقاربة تتجاوز التفسيرات السطحيّة للاحتجاج والركود السياسيّ. فبين مجتمعٍ مثقل بالغضب والخوف، ونظامٍ متماسك…