من إدلب إلى استراليا حكاية أحمدين

مدة القراءة 4 د

وكأن أحمد الشرع نادى على شاطئ سيدني صارخاً “يا ابن إدلب يا أحمد الأحمد اقفز إلى ذاك الإرهابي وانزع منه بندقيته”. لم يكن الرئيس السوري أحمد الشرع بحاجة إلى أكثر مما حصل في سيدني كي يؤكّد كيف أنّ ثلة من الرجال خرجوا من تلك المدينة ليحرروا كل سوريا وواحد منهم حمل عائلته وفر من براميل الأسد إلى استراليا كي ينقذ ناسها وأهلها على شاطئ “بوندي”.

 

إدلب ذاك السر الكبير والقدر الصعب المستحيل الذي عُرض على كثير من المدن. فأبت أن تحمله وتسير به. تحملت تلك المدينة السورية على الحدود التركية أوزار ناسها وأهلها وأمتها فكان قدرها دائماً التصدي للأعداء، وتقديم التضحيات وحيدة منفردة.

قال الشاعر الإدلبي حذيفة العرجي فيها بعد التحرير: “لإدلب الفضل بعد الله.. يا وطني لولا الذي قدمته لم نُعِد شبراً. حقّ على كل حرّ أن يمجدها وأن يدبّج فيها النثر والشعر أمٌّ حمتنا واعطتنا فوق ما ملكت حتى بلغنا بها الأمجاد والنصر”.

وكأن أحمد الشرع نادى على شاطئ سيدني صارخاً “يا ابن إدلب يا أحمد الأحمد اقفز إلى ذاك الإرهابي وانزع منه بندقيته”

إدلب تاريخ مليء بالأحداث

إدلب ليست مدينة وحسب، بل هي محافظة مترامية الأطراف تبلغ مساحتها 6.097 كيلومتر مربع أي ما يزيد على نصف مساحة لبنان. لكل قرية أو مدينة في تلك المحافظة قصة بطولة وحدث تاريخي من مدينة إبلا التي حاصرها الملك الاكدي نرامسين بين عامي 2250- 2400 قبل الميلاد ولم يهزمها إلاّ بعد أن دمرها بالكامل، إلى “معرة النعمان” وقبر أبي العلاء المعرّي وقلعتها التي بناها المظفّر محمد بن المنصور عام 1233 م، إلى جسر الشغور تلك القلعة التي أهانت بشار الأسد وفلاديمير بوتين وما بينهما قاسم سليماني، مروراً بسرمين التي فتحها أبو العبيدة بن الجراح سنة 17هـ ودمرها الصليبيون والمغول وتميز أبناؤها بالتصوف والشعر والطب. أما سرمدا والبارة أهم المدن الأثرية الرومانية البيزنطية. التي شهدت انتصار نور الدين محمود زنكي عام 1151م. تحت كل بلاطة من زاويا محافظة إدلب تاريخ وبطولة لكن الأهم انها المكان الذي احتضن جثمان الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز سنة 720م. وهو الخليفة الذي لقب بالخليفة الخامس نظراً لعدله وتقواه وحسن سيرته.

حكاية الأحمدين

أكثر الأسماء انتشاراً في إدلب اسم أحمد حتى يكاد يزيد عدداً على من اطلق عليهم اسم محمد وتشاء الصدف والتاريخ أن يخرج من إدلب شخص اسمه أحمد الشرع ومعه مئات من الرفاق المقاتلين اطلقوا على تلك المحافظة اسم “المحرّر” وجهدوا أن يجعلوه نموذجاً يفتخرون به مقارنة بالمدن التي عاث فيها بشار الاسد قتلاً وفساداً. حملوا تلك التجربة الناجحة على ظهورهم وبيدهم بندقية عابرين جسر الشغور مطلقين التحية على معرة النعمان. استعادوا حلب، تلك المدينة الشهباء التي يحبها أهل إدلب ويضخون في عروقها اروع المزروعات والغذاء ومنها ذهبوا إلى جبل زين العابدين فكانت الملحمة التي سوف يبقى الحديث عنها إلى يوم الدين، ومن هناك كان الوصول إلى حماه حيث زغاريد الأرامل والأيتام الكاظمين الغيظ منتظرين مخلصاً لهم من حكم اللعين، ثم كانت حمص على موعد مع أحمد الشرع ورفاقه كيف لا وهي عاصمة الثورة وباب عمرو مازال يئن من السكين ففتحت دمشق أبوابها مرحبة بكل شريف إلى ساحة الأمويين.

إقرأ أيضاً: من المسجد الحرام إلى المسجد الأمويّ

أحمد الشرع ليس الأحمد الوحيد. إدلب زاخرة بأبنائها من طينة احمد. فجاء أحمد الأحمد منتصراً لحياة الناس والأبرياء قافزاً من ذاك الرصيف على شاطئ “بوندي” متوجهاً الى ذاك الإرهابي الباكستاني والهندي الجنسية منتزعاً منه سلاحه والرصاص يمزق جسده. وكأنّه يقول لم أهرب من الموت في إدلب بل هربت من الظلم العتيق. انتزع أحمد الاحمد بندقية الإرهابي الهندي لحماية كل المدنيين تماماً كما فعل أحمد الشرع وفي ذلك عبرة على مرّ السنين.

رسالة إدلب وصولاً الى “بوندي” مفادها أنّ أبناء إدلب تكفلوا بمحاربة الإرهاب في تدمر وفي أستراليا، في ريف إدلب وجبال الساحل هم حماة الناس حين أقسموا على محاربة الشرير.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ziaditani23

مواضيع ذات صلة

جوزف عون يُمسك بخيط الدولة الوطنية

في الدول المستقرّة، تُفهم رئاسة الجمهوريّة بوصفها ذروة انتظام المؤسّسات، تعبيراً عن توازن السلطات وضمانةً رمزيّة لاستمراريّة الدولة. أمّا في لبنان فليست الرئاسة موقعاً دستورياً…

تركيا 2025: بصمات عام لم تُغلق ملفّاته

لم يكن عام 2025 في تركيا عاماً عابراً يمكن طيّ صفحته مع تساقط أوراق التقويم، بل شكّل حلقة في مسار سياسيّ واقتصاديّ وأمنيّ ما يزال…

ترامب.. ماذا فعلت بهذا العالم خلال عام؟

اكتشف العالم عام 2025 نسخة جديدة من الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. لم تكن النسخة بعيدة عن تلك التي كانت إبّان ولايته الأولى، لكنّها بدت أكثر…

إيران: عام طويل من الانتكاسات

قد يكون من الصعب إجراء جردة حساب دقيقة لمسار التطوّرات التي شهدتها الساحة الإيرانيّة في عام 2025 من دون العودة إلى السياق الأوسع الذي سبق…