القانون الذي سقط سهواً… يُسقط السّودانيّ عمداً؟

مدة القراءة 7 د

دخلت القوى السياسيّة العراقيّة، بجميع مكوّناتها، في سباقٍ محموم مع الزمن لترتيب أوراقها وأوضاع “بيوتها” الخاصّة والداخليّة، من أجل الوصول إلى تفاهمات واضحة على الأسماء المرشّحة لتولّي المناصب السياديّة الأولى في تركيبة السلطة (رئاسة البرلمان، رئاسة الجمهوريّة، رئاسة الحكومة)، وذلك استعداداً لدخول المهل القانونيّة الخاصّة بانتخابها، بعد إعلان المحكمة الاتّحاديّة العليا النتائج النهائيّة والرسميّة للانتخابات النيابية.

 

 

على الرغم من استمرار حالة الغموض داخل كلّ مكوّن بشأن الشخصيّة التي سيُرشّحها لتولّي الموقع الذي يمثّله، تسعى هذه المكوّنات للوصول إلى المواعيد الدستوريّة والقانونيّة وهي موحّدة حول مرشّحها، بما يسمح بالخروج من الجلسة الأولى للبرلمان الجديد، التي سيتولّى إدارتها زعيم ائتلاف دولة القانون رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، باعتباره الأكبر سنّاً، وقد جرى فيها حسم جميع الأسماء المرشّحة لمواقع الرئاسات الثلاث.

بموازاة هذه الجهود التي تعبّر عن حجم الاستقطابات داخل المشهد العراقيّ، ومحاولة القوى العراقيّة الإيحاء بأنّها هي التي تملك مفاتيح العبور إلى المرحلة الجديدة وإنجاز الاستحقاقات الدستوريّة، يدور تنافسٌ حادّ، في الخفاء والعلن، بين القوى الدوليّة والإقليميّة المعنيّة بمستقبل العمليّة السياسيّة العراقيّة، وبالصورة التي سيكون عليها العراق في المرحلة المقبلة.

تكشف الزيارة التي قام بها محمد الحلبوسي وخميس الخنجر للعاصمة القطريّة الدوحة،عن دخول عامل إقليميّ عربيّ على خطّ تسهيل التفاهم بين هذه القوى على مرشّح توافقيّ لرئاسة البرلمان

إيران لا تتدخّل؟!

تحاول إيران الوقوف خلف خيارات القوى العراقيّة ومكوّناتها المذهبيّة والقوميّة في ترجمة نتائج الانتخابات البرلمانيّة ضمن تركيبة السلطة التنفيذيّة وتشكيل الحكومة الجديدة. في الوقت ذاته تسعى إلى النأي بنفسها عن تهمة التدخّل المباشر، والتخفيف من الضغوط التي يتعرّض لها حلفاؤها في “الإطار التنسيقيّ” الشيعيّ وفصائل “الحشد الشعبيّ”، من خلال تأكيد عدم حرمان أيّ طرف من المشاركة أو التمثيل داخل السلطة التنفيذيّة، لا سيما بعدما استطاعت أحزاب “الإطار” والفصائل كسب ما يقارب ثلث مقاعد البرلمان من مجموع مقاعد المكوّن الشيعيّ البالغة 187 مقعداً.

في المقابل، لا يتردّد مبعوث الرئيس الأميركيّ الخاصّ إلى العراق، مايك سفايا، في توجيه رسائل تحذيريّة من انعكاسات أيّ مشاركة للفصائل المسلّحة في الحكومة والسلطة التنفيذيّة، مشيراً إلى أنّ أيّ خروج على هذا الموقف قد ينعكس سلباً على العلاقات السياسيّة والعسكريّة والأمنيّة والاقتصاديّة التي تربط بغداد بواشنطن، مع التلميح بشكل غير مباشر إلى ضرورة الإبقاء على رئيس الحكومة الحالي محمد شيّاع السوداني في موقعه، كي لا يتمّ التفريط بالإنجازات الاقتصاديّة والإنمائيّة التي تحقّقت خلال السنوات الثلاث الماضية التي كان فيها على رأس السلطة التنفيذيّة.

قنوات تواصل خلف الكواليس

لا يُلغي هذا الصراع المعلن بين طهران وواشنطن وجود قنوات تواصل تعمل خلف الكواليس بين الطرفين، من أجل الوصول إلى نقطة توازن بين الشروط الأميركيّة والطموحات الإيرانيّة، ولا سيما في ما يتعلّق بحصّة المكوّن الشيعيّ في السلطة وكيفيّة تمثيله فيها، والجهات القادرة على ترجمة هذا الاستحقاق. لا يستبعد المعنيّون وجود مؤشّرات إيجابيّة عن إمكانية التفاهم بين الطرفين، بما قد يساعد على تسريع حسم اسم مرشّح المكوّن الشيعي لتولّي رئاسة الوزراء.

جاء الدخول الأميركيّ عبر المبعوث الخاص مارك سفايا لدعم عودة السوداني بعد الموقف الحادّ الذي صدر عن قوى وأحزاب “الإطار التنسيقيّ”، التي رفضت عودته لولاية جديدة مستغلّةً الأخطاء التي وقعت فيها الحكومة ورئيسها عندما نُشر قانون تجميد حسابات الجماعات الإرهابيّة في إطار مكافحة تمويل الإرهاب، الذي تضمّن اسمَي تنظيمَي “الحزب” اللبنانيّ و”جماعة أنصار الله” الحوثيّة في اليمن.

يُضاف إلى ذلك ما كشفه الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب عن ترشيح السوداني له لجائزة نوبل للسلام، وهو ما اعتبرته هذه القوى تفريطاً بالسيادة العراقيّة، خصوصاً أنّ ترامب لم يتنصّل من اغتيال نائب رئيس هيئة “الحشد الشعبيّ” أبي مهدي المهندس في الثاني من كانون الثاني 2020 قرب مطار بغداد.

أدّى عمليّاً الإجراء الذي أقدم عليه قادة “الإطار التنسيقيّ” بحذف السوداني من جميع مجموعات التواصل الخاصّة بقيادة “الإطار”، التي تُناقَش فيها مختلف الأفكار والخيارات، إلى استبعاده من جميع النقاشات والتسويات التي تعمل هذه القيادات على نسجها مع المكوّنات الأخرى استعداداً للاستحقاقات الدستوريّة.

يعني ذلك أنّ هذه القيادات قد حسمت أمرها، بشكل شبه قطعيّ، باستبعاد السوداني من لائحة الأسماء المرشّحة لمنصب رئاسة الوزراء من ضمن خيارات “الإطار”، ولم تقتنع بالرواية الرسميّة التي أعلنها السودانيّ ومفادها أنّ إدراج القانون المذكور كان خطأً إداريّاً وقع سهواً ولم يكن نتيجة قرارٍ مسبق.

جاء الدخول الأميركيّ عبر المبعوث الخاص مارك سفايا لدعم عودة السوداني بعد الموقف الحادّ الذي صدر عن قوى وأحزاب “الإطار التنسيقيّ”، التي رفضت عودته لولاية جديدة

رفض الآليّات

كشفت تصريحات السودانيّ المنتقدة لهذه الإجراءات عن رفضه للآليّات التي تضمّنها “دفتر الشروط” الذي وضعته اللجان التي شكّلها “الإطار” لدراسة المرشّحين، عندما أشار إلى أنّ جميع القرارات المصيريّة والأساسيّة كان يتّخذها بالتنسيق مع “الإطار”، وأنّه لن يقبل بأن يكون “مديراً عامّاً” على رأس الحكومة في مختلف القضايا.

تكشف إشارة السوداني إلى محاولة “الإطار” اختيار رئيس للسلطة التنفيذيّة برتبة “مدير عامّ” مساراً في توجّهات “الإطار” وقياداته قد يكون خطِراً ويتمثّل في السعي إلى مصادرة القرار السياسيّ من رئيس الوزراء وحصره داخل “الإطار”، بحيث يصبح رئيس الحكومة منفّذاً لسياساته وتوجّهاته، حتّى في القضايا الاقتصاديّة والإداريّة.

يعني ذلك عمليّاً تفريغ موقع السلطة التنفيذيّة ورئيسها الذي يشغل منصب القائد العامّ للقوّات المسلّحة من صلاحيّاتهما، وتحويل الدولة ومؤسّساتها إلى أداة تنفيذيّة لتوجّهات المكوّنات التي ستتقاسم المواقع داخل الحكومة، الأمر الذي يؤدّي إلى تعطيلها وعرقلة مسار بناء دولة قويّة وقادرة على رسم السياسات الاستراتيجيّة للعراق.

إذا كان إعلان أسماء المرشّحين للمواقع الدستوريّة الأولى ينتظر ما ستؤول إليه الاتّصالات غير المعلنة بين واشنطن وطهران، يبدو أنّ القوى السياسيّة الممثِّلة للمكوّن السنّيّ قد بدأت حراكاً سريعاً من أجل التوصّل إلى تفاهم على مرشّحها لتولّي رئاسة البرلمان.

إقرأ أيضاً: ترامب “يستدعي” نتنياهو لفرض المرحلة الثّانية

قطر على الخطّ

تكشف الزيارة التي قام بها رئيس حزب “تقدّم” محمد الحلبوسي ورئيس حزب “السيادة” خميس الخنجر للعاصمة القطريّة الدوحة، واللقاء الذي جمعهما بأمير البلاد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، عن دخول عامل إقليميّ عربيّ على خطّ تسهيل التفاهم بين هذه القوى على مرشّح توافقيّ لرئاسة البرلمان. تشير التقديرات إلى أنّ نتائج هذه الزيارة قد تنعكس في مخرجات الجلسة المرتقبة للمجلس السياسيّ الوطنيّ، الذي يضمّ قادة أحزاب المكوّن السنّيّ، خلال الأيّام المقبلة.

في ظلّ تراجع “بازار” الأسماء المرشّحة لرئاسة الوزراء من نحو عشرين اسماً إلى خمسة أسماء، ومع بدء “الإطار التنسيقيّ”، الذي يمسك نوري المالكي بزمام موقفه، بالاقتراب من حسم مرشّحه، واقتراب المكوّن السنّيّ من الاتّفاق على مرشّحه لرئاسة البرلمان، يبدو أنّ الانتقال إلى حسم هذه الاستحقاقات قد يمتدّ إلى الأسبوع الأوّل من العام المقبل 2026، بانتظار أن تتمكّن القوى الكرديّة من التوصّل إلى تفاهمات داخليّة تساعد على حسم الصراع بين الحزبين الديمقراطيّ الكردستانيّ والاتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ على موقع رئاسة الجمهوريّة، لا سيما أنّ الاتّحاد يتمسّك بالعرف السائد الذي يمنحه حقّ شغل هذا الموقع، في حين يرى الحزب الديمقراطيّ أنّ الوقائع التمثيليّة تجعله الأحقّ به.

مواضيع ذات صلة

جوزف عون يُمسك بخيط الدولة الوطنية

في الدول المستقرّة، تُفهم رئاسة الجمهوريّة بوصفها ذروة انتظام المؤسّسات، تعبيراً عن توازن السلطات وضمانةً رمزيّة لاستمراريّة الدولة. أمّا في لبنان فليست الرئاسة موقعاً دستورياً…

تركيا 2025: بصمات عام لم تُغلق ملفّاته

لم يكن عام 2025 في تركيا عاماً عابراً يمكن طيّ صفحته مع تساقط أوراق التقويم، بل شكّل حلقة في مسار سياسيّ واقتصاديّ وأمنيّ ما يزال…

ترامب.. ماذا فعلت بهذا العالم خلال عام؟

اكتشف العالم عام 2025 نسخة جديدة من الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. لم تكن النسخة بعيدة عن تلك التي كانت إبّان ولايته الأولى، لكنّها بدت أكثر…

إيران: عام طويل من الانتكاسات

قد يكون من الصعب إجراء جردة حساب دقيقة لمسار التطوّرات التي شهدتها الساحة الإيرانيّة في عام 2025 من دون العودة إلى السياق الأوسع الذي سبق…