من المسجد الحرام إلى المسجد الأمويّ

مدة القراءة 5 د

من المسجد الحرام في مكّة المكرّمة إلى المسجد الأمويّ في دمشق، ترسم خارطةُ طريق ملامحَ شرق أوسط جديد تعهّد وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان أن يجعله “أوروبا الجديدة”، قائلاً قبل سبع سنوات، وتحديداً في تشرين الأوّل 2018: “لا أريد أن أفارق الحياة إلّا وقد رأيت الشرق الأوسط في مقدَّم الدول العالميّة. أوروبا الجديدة هي الشرق الأوسط”.

 

في 31 أيّار الفائت 2025 وصل وزير الخارجيّة السعوديّ الأمير فيصل بن فرحان إلى دمشق في زيارة هي الأولى لمسؤول سعوديّ رفيع بعد سقوط نظام بشّار الأسد. توجّه مباشرة إلى المسجد الأمويّ ليؤدّي الصلاة ويؤمّ رفاقه ومعهم وزير الخارجيّة السوريّ أسعد الشيباني.

في فجر الثامن من شهر كانون الأوّل 2025 يؤمّ الرئيس السوريّ أحمد الشرع صلاة الفجر في المسجد الأمويّ خاطباً بالمصلّين: “أكرمنا الأمير محمّد بن سلمان بهديّة هي قطعة من ستار الكعبة فآثرنا أن تكون هذه القطعة في المسجد الأمويّ، مسجد بني أميّة، لتتّحد بذلك الدول وتمتدّ أواصر المحبّة والأخوّة من مكّة المكرّمة إلى بلاد الشام”.

علاقة بين مسجدين

ليست العلاقة بين المسجد الحرام في مكّة والجامع الأمويّ بدمشق مقاربةً بين مسجدين بقدر ما هي علاقة تمتلك بعداً دينيّاً وتاريخيّاً مركزيّاً في العالم والشرق تحديداً.

في الوقت الذي يمثّل فيه المسجد الحرام قبلة المسلمين ومركز تجمّعهم في العمرة أو الحجّ ومرجعيّة القرار والرجاء والسكينة، يشكّل المسجد الأموي رمزاً للقوّة الأمويّة وللحضارة العربيّة في بلاد الشام. لم تبدأ الحكاية اليوم بل بدأت في سنة 661 عندما أصدر الخليفة الراشديّ الثاني عمر بن الخطّاب أمراً بتعيين معاوية بن أبي سفيان والياً على الشام. غيّر هذا القرار تاريخ دمشق ومعها بلاد الشام عبر نقل العائلة الأمويّة من الحجاز إلى دمشق لتصنع تاريخاً جديداً أصله في مكّة وفرعه في الأندلس مع صقر قريش عبدالرحمن الداخل.

يشكّل المسجد الأموي رمزاً للقوّة الأمويّة وللحضارة العربيّة في بلاد الشام. لم تبدأ الحكاية اليوم بل بدأت في سنة 661

يُرسم اليوم من جديد الشرق الأوسط، حيث تستأصل دول المنطقة كلّ الدويلات والميليشيات من هياكلها في فلسطين مروراً بلبنان وسوريا وانتهاء بالعراق. دخلت المنطقة عصر المؤسّسات والقانون والحقوق الإنسانيّة الضامنة لكلّ المكوّنات، مستبدلة العنف والحروب والقتل والخراب بالتنمية والنهوض وبناء الإنسان.

المسجد الأمويّ

منذ اللحظة الأولى للثورة السوريّة عام 2011 احتضنت المملكة العربيّة السعوديّة سوريا وشعبها من ضمن مسؤوليّاتها التاريخيّة تجاه أشقّائها. حاولت معالجة الأزمة قبل تفاقمها، وذلك في خطاب تاريخيّ للراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز في 7 آب، حين أطلق نداء فوريّاً لوقف العنف داعياً النظام إلى وقف آلة القتل وإراقة الدماء وتفعيل إصلاحات شاملة، معتبراً ما يحدث أكبر من أن تبرّره الأسباب، مؤكّداً أنّ مستقبل سوريا بين خيارين إمّا الحكمة أو الفوضى.

بشّار فالج وما تعالج

طوال أربعة عشر عاماً لم تكلّ المملكة وقيادتها ولم تملّا. سعت بشتّى الطرق إلى وقف المأساة السوريّة، فكانت المحاولة الأخيرة من الأمير محمّد بن سلمان لإصلاح وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فدُعيَ بشّار الأسد إلى القمّة العربيّة الـ32 بجدّة، فإذا بالمثل الشهير “فالج ما تعالج” ينطبق عليه. 13 عاماً لم تكن كافية له كي يعتبر ويصوّب ويصحّح ويعود إلى عروبته ويعيد سوريا معه إلى هويّتها الأصليّة.

هرب بشّار في 8 كانون الأوّل 2024 من قصر المهاجرين في دمشق فكانت المملكة العربيّة السعوديّة السبّاقة إلى احتضان سوريا وشعبها ومآسيها التي خلّفها الأسد. قال الرئيس السوريّ أحمد الشرع في مؤتمر “مبادرة مستقبل الاستثمار” بالرياض في تشرين الأوّل 2025: “إنّ الدعم السعوديّ كان مفتاح بلاده للاستثمار والانفتاح على العالم بفضل جهود جبّارة قادها الأمير محمّد بن سلمان”.

أضاف: “عندما جئنا إلى دمشق سارعنا إلى السعوديّة بوصفها أوّل قبلة لنا لأنّه بفضل جهودها عادت سوريا، فهي بوّابة الشرق وبلد حضارة وملأى بقوى بشريّة وأهمّ ركيزة لبناء سوريا”.

من المسجد الحرام في مكّة المكرّمة إلى المسجد الأمويّ في دمشق، ترسم خارطةُ طريق ملامحَ شرق أوسط جديد

مسيرة بين مسجدين

من المسجد الحرام إلى المسجد الأمويّ، تنطلق مسيرة تمكين عمليّة الاستقرار والتنمية القائمة على قيم التاريخ والتطلّع إلى المستقبل.

ليست سوريا الجديدة عند الأمير محمّد بن سلمان دولة عربيّة منتسبة إلى الجامعة العربيّة وحسب، بل هي استثمار في الاستقرار وهيكلة المنطقة والأمّة للانطلاق بمسارين: الأوّل تثبيت الهويّة الأصيلة، والثاني إطلاق مسار التنمية والاستثمار الذي يشكّل ركيزة الاستقرار والأمان.

إقرأ أيضاً: “الأمّة اللّبنانيّة” القلِقة من انبعاث سوريا

من المسجد الحرام في مكّة إلى مسجد بني أميّة في دمشق حكاية تاريخ بحبرها يُكتب المستقبل. قطعة من ستار الكعبة تحمل الآية 125 من سورة البقرة: }وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً واتّخذوا من مقام إبراهيم مصلّى{ استقرّت في صحن المسجد الأمويّ تحمل في طيّاتها مفردات بالغة الأهميّة من الأمن المطلوب من الدين أن يؤمنه للناس إلى مقام إبراهيم الذي اصطفاه الله كي يكون مرجعاً للأمّة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ziaditani23

مواضيع ذات صلة

من البيجرز إلى مادورو: لماذا يرتجف المرشد؟

استيقظت طهران صباح السبت لتكتشف أنّ إمبراطوريّة “العمق الاستراتيجيّ” التي بناها الحرس الثوريّ عبر خمس مناطق زمنيّة، من المقرّات الخاصّة في بيروت إلى القصر الرئاسيّ…

“غزوة كراكاس”: عالم بلا خطوط حمر؟

في عتمة الليل فوق كراكاس، تسلّلت وحدات كوماندوس أميركيّة نخبويّة إلى قصر الرئيس الفنزويلّيّ لتخرج بعد ساعات بالغنيمة القصوى: نيكولاس مادورو، الرجل القويّ في فنزويلّا…

تقسيم المقسَّم من السّودان إلى اليمن

يدخل العالم العربيّ من المحيط الأطلسيّ إلى الخليج العربيّ مرحلة جديدة من مراحل عمليّة “تقسيم المقسَّم وتجزئة المُجزَّأ”. هناك ثلاث دول عربيّة تخضع في الوقت…

تفكيك اليمن… مقامرة انتحاريّة؟

وسط انهيار التوازنات في الإقليم وتسارع مشاريع التفكيك، لم يعد العبث بوحدة الدول احتمالاً نظريّاً أو ورقة ضغط تفاوضيّة، بل بات فعلاً سياسيّاً مكتمل الأركان….