لم تكن القمّة الخليجيّة الأخيرة عاديّة أو استثنائيّة. يُمكن القول إنّها بينهما، توقيتاً ومضموناً. تبني دول مجلس التعاون الستّ (السعوديّة والإمارات وقطر والكويت وعُمان والبحرين) على المُشترَكات وتسير بخطى ثابتة نحو شكل من أشكال التكامل الاقتصاديّ والتنمويّ، إدراكاً منها أنّ الزمن هو للتكتّلات الكبرى، وتحرص على الحديث بصوت واحد إقليميّاً ودوليّاً، وهو ما تبدّى جليّاً في الرسائل الثلاثيّة لإسرائيل وإيران والعراق.
على مستوى العمل المشترك، سجّلت القمّة الخليجيّة، التي عُقدت في البحرين في 3 كانون الأوّل المنصرم، جملة اتّفاقات ترتبط بتعزيز المسيرة المشتركة، من خلال 6 قرارات مهمّة:
1 – إنشاء هيئة للطيران المدنيّ لدول الخليج ومقرّها الإمارات.
2 – اعتماد اتّفاق ربط دول مجلس التعاون بمشروع سكّة الحديد.
3 – بدء تطبيق مشروع “النقطة الواحدة للسفر”، على أن يبدأ تنفيذه بين الإمارات والبحرين، ثمّ يتمّ تعميم النظام الذي يسمح بإنهاء إجراءات المسافر الخليجيّ من نقطة واحدة من دون المرور المتكرّر على منافذ التدقيق بين دول المجلس.
4 – إنشاء منصّة تبادل البيانات الجمركيّة.
5 – معالجة المتطلّبات الباقية للاتّحاد الجمركيّ ورفع خطّة عمل تنفيذيّة وبرنامج زمنيّ في أسرع وقت.
6 – إقرار القواعد الموحّدة لمُلّاك العقارات المشترَكة بدول المجلس.
بين رئاسة الكويت للمجلس الأعلى لدول الخليج في 2025 ورئاسة البحرين التي بدأت قبل أيّام وتستمرّ حتّى نهاية 2026، تأتي رئاسة السعوديّة مع مطلع 2027 لترسم مساراً بدأت تتّضح ملامحه
درع خليجيّة – أميركيّة
عكَسَت هذه القرارات التزام دول الخليج تعزيز التنسيق والتكامل في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصاديّة والتنمويّة، مع الحرص على استكمال متطلّبات السوق الخليجيّة المشتركة والاتّحاد الجمركيّ، وتعزيز التجارة والاستثمار في البنية التحتيّة والطاقة والغذاء والاتّصالات. تُضاف إلى ذلك القفزات اللافتة في مواصلة التنويع الاقتصاديّ، دعم الابتكار والاستدامة وتعزيز التعاون في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعيّ والأمن السيبرانيّ.
إذا كانت مُتوقَّعةً إعادة تأكيد الثوابت باعتبار أنّ الأمن الجماعيّ وحدة لا تتجزّأ “وفقاً لمبدأ الدفاع المشترك ومفهوم الأمن الجماعيّ”، تمثّلت المفاجأة في إعلان الأمين العامّ للمجلس جاسم البديوي مفاوضات مُتقدّمة مع الأميركيّين لإنشاء درع صاروخيّة خليجيّة.
قالت مصادر خليجيّة مطّلعة لـ”أساس” إنّ “هذا التوجّه ليس مفاجئاً وإنّما يعود لعدّة أشهر سابقة، لكن لم يُعلن بسبب الظروف الإقليميّة”، كاشفةً أنّ القرار اتُّخذ بعد الضربتين غير المسبوقتين اللتين تعرّضت لهما قطر، الأولى من إيران في 23 حزيران الماضي والثانية من إسرائيل في 9 أيلول الماضي.
أوضحت المصادر أنّ دول الخليج، التي أبدت أقصى أشكال التضامن السياسيّ، وصولاً إلى وضع كامل إمكاناتها في تصرُّف قطر، تعاملت مع الضربتين على أنّهما “حدث استثنائيّ مُختلف عمّا سبقه”، خاصّة أنّ الاستهداف طال دولة لطالما اقترن اسمها بدور الوساطة وتقريب وجهات النظر لحلّ النزاعات، مشدّدةً على أنّ موقف دول الخليج كان حازماً بضرورة بناء درع صاروخيّة، استناداً إلى قاعدة الحماية الجماعيّة وتحسّباً لأيّ تطوّر مماثل في المستقبل.
على الرغم من أنّ “الحِسبة” ليست نفسها بالنسبة لكلّ الدول لأنّ بعضها يرتبط بعلاقات جيّدة مع إيران (مثل عُمان) أو بعلاقات دبلوماسيّة مع إسرائيل (الإمارات والبحرين)، كان القرار “جماعيّاً وإجماعيّاً”، بحسب المصادر التي أكّدت أنّ المحادثات مع الأميركيّين ما تزال في بداياتها وقطعت شوطاً جيّداً، لكنّها تحتاج إلى بعض الوقت حتّى تتبلور الرؤية كاملة.
كان لافتاً أنّ البيان الختاميّ للقمّة جاء عريضاً وغير مسبوق لجهة اتّساع الملفّات التي شملها، فقد تكوّن من 162 بنداً تعاملت مع 17 محوراً
162 بنداً
كان لافتاً أنّ البيان الختاميّ للقمّة جاء عريضاً وغير مسبوق لجهة اتّساع الملفّات التي شملها، فقد تكوّن من 162 بنداً تعاملت مع 17 محوراً شملت: العمل المشترك، الشراكة الخليجيّة مع الدول والتكتّلات العالميّة، القضيّة الفلسطينيّة، العلاقات مع إيران واحتلالها للجزر الإماراتيّة ومزاعمها في حقل الدرّة للغاز المشترَك بين الكويت والسعوديّة، مكافحة الإرهاب، العراق، اليمن، سوريا، لبنان، السودان، المغرب، ليبيا، الصومال، باكستان وأفغانستان، باكستان والهند، أذربيجان وأرمينيا، روسيا وأوكرانيا.
كان طاغياً في البيان الختاميّ حضور إسرائيل (وردت 28 مرّة باسمها أو باسم الاحتلال)، وإيران (وردت 13 مرّة)، وبدرجة أقلّ العراق (ورد 5 مرّات):
- على الرغم من الضجيج الدائم عن “مؤامرات” وحكايا التطبيع، أكّدت دول الخليج الموقف الثابت، بقيادة السعوديّة، بأن لا سلام من دون مسار حقيقيّ نحو الدولة الفلسطينيّة، وعاصمتها القدس الشرقيّة، وفق مبادرة السلام العربيّة وقرارات الشرعيّة الدوليّة، وأن لا تنازل عن دعم الفلسطينيّين في قضيّتهم المحقّة وحقّهم في تقرير مصيرهم.
- عبّرت دول الخليج في رسالتها الإقليميّة الثانية عن دعم جماعيّ للدول التي لديها ملفّات عالقة مع إيران (الإمارات في حقّها السياديّ بالجزر الثلاث التي تحتلّها إيران، والكويت في حقّها الحصريّ مع السعوديّة بملكيّة حقل الدرّة المشترَك للغاز الواقع في المنطقة البحريّة المشتركة).
بدا واضحاً أنّ الموقف من التعامل مع إيران لم يتغيّر، على الرغم من بعض الإيجابيّات الظاهرة في الفترة الماضية، مع تأكيد دول الخليج مجدّداً ضرورة حضورها في “جميع المفاوضات والمباحثات والاجتماعات الإقليميّة والدوليّة” المتعلّقة بالتعامل مع إيران، وأن “تشمل هذه المفاوضات كلّ القضايا والشواغل الأمنيّة لدول المجلس”.
إقرأ أيضاً: الكويت: “الأهوال الشّخصيّة” تفتح باب قندهار
- كانت الرسالة الإقليميّة الثالثة للعراق، وفحواها استمرار مسار الانفتاح الإيجابيّ مع المُضيّ قدماً في المشاريع المشتركة، وأهمّها مشروع ربط العراق بشبكة الكهرباء في دول مجلس التعاون، لكن مع مساندة كاملة للكويت في ملفّ الحدود البحريّة المشترَكة العالق، ورفض أيّ “مساس بسيادتها”، في ظلّ ما يتردّد عن مطالبات من بغداد بحقوق في مناطق بحريّة ومرتفعات وجزر سبق أن تمّ الانتهاء من ترسيمها قبل سنوات.
بين رئاسة الكويت للمجلس الأعلى لدول الخليج في 2025 ورئاسة البحرين التي بدأت قبل أيّام وتستمرّ حتّى نهاية 2026، تأتي رئاسة السعوديّة مع مطلع 2027 لترسم مساراً بدأت تتّضح ملامحه مع البنود الـ162 التي وردت في البيان الختاميّ: دول الخليج ركيزة الاستقرار في الشرق الأوسط (بقيادة السعوديّة وما تمثّله سياسيّاً واقتصاديّاً)، والعمود الفقريّ للتنمية الشاملة والمستدامة (نموذج الإمارات) ومحور الوساطات لحلّ النزاعات (نموذج قطر).
