نجم العالم بلا منازع

مدة القراءة 5 د

قصة أحمد الشرع تُشبه حكايات روبن هوود. رجلٌ مجهول خرج بسرعة البرق من أقاصي العدم إلى محاور الضوء. لا شيء في جعبته سوى إرادة صلبة وعقل متوثب وبراغماتية متجذرة وقبضة لا يُشق لها غبار. كان المقاتل الشرس والأمني المرّكب والعقائدي المرصوف، بمقدار ما صار الدبلوماسي الهادئ والسياسي المناور والرئيس الوسيم. هو خلطة رهيبة من هذا كله. مزيجٌ هجينٌ لا يحوزه عادة إلا ندرة نادرة من صفوة الصفوة.

 

ليس ثمة سيرة موازية أو مشابهة في التاريخ الحديث لسردية أحمد الشرع. حكايته تستعصى في كثير من جوانبها على الفهم. أصل هذا الارتباك يرتبط على نحو وثيق بتسارع الأحداث. فالرجل الذي كان مطاردًا قبل عام فقط في إدلب، وفوق رأسه عقوبات أميركية ومذكّرات دولية وجوائز مالية، بات اليوم رئيسًا مكتمل الشرعية، يرش دونالد ترامب العطر على رقبته، ويحتضنه أقوى رجال المنطقة على الإطلاق: محمد بن سلمان ورجب طيب أردوغان.

لكن قبل هذا وبعده. خرج أحمد الشرع من رحم الناس. من قلب مظلومية متدحرجة اجتاحت المنطقة برمتها غداة انهيار أبراج التجارة في نيويورك. استحال السنّة يومًا تلو آخر آثمون بالهوية وبالفطرة. كلهم ذئاب منفردة حتى يثبت العكس. يكفي أن تكون سنيًا لتكون متهمًا بل مرتكبًا. ولا حل إزاء ذلك إلا القتل والشطب والتحييد أو غياهب السجون.

تغوّلٌ وثأرٌ مستدام

من كابول إلى بغداد، ومنهما إلى عموم أرجاء المنطقة، وقف السنة جميعهم فوق صفيح مشتعل. فوق أرض محترقة. فوق بحر من الدم والدموع والعذابات. كفٌ أميركي على خدهم الأيمن، يتبعه كفٌ إيراني على الأيسر، وبين الكفين تضرب إسرائيل. والعالم كله يتفرّج على واحدة من أبشع مشهديات القضم والاستهداف والترويع والتخريب المُنظّم للدول ولأنسجتها وعقودها الاجتماعية.

أحمد الشرع شكّل الصورة الأجمل والأقوم والأبدع عن ذلك كله، وقد استطاع في أشهر معدودات أن يخطف الشرعيتين على نحو كامل

أعدمت إيران صدام حسين صبيحة عيد الأضحى. وأرادت لصورته وهو يتدلى من حبل المشنقة أن يكون فاتحة تغولها الإقليمي، وبداية ثأرها المستدام، ليس من المنطقة وأهلها فحسب، بل من السنة على وجه الخصوص. أحرقوا رفيق الحريري بطنين من المتفجرات. وخربوا لبنان وسوريا والعراق واليمن. ثم حاولوا تخريب مصر والأردن والخليج. وكل ذلك كان على مرأى العالم برمته: شيطنة السنة وضربهم وقتلهم وسجنهم وسحلهم وتهميشهم على نحو ممنهج وموصوف.

أحمد الشرع

بموازاة هذا المشروع الجهنمي، فعل نظام الأسدين فعله بسنة سوريا وسنة المنطقة، منذ مجزرة حماة وما لحقها من تكسير وتطويع وترويض وشيطنة وتسويق للسنية الدموية، مرورًا بالإجهاز الكامل المعنوي على سُنّة لبنان وعلى القضية الفلسطينية، وصولاً إلى قتل وإخفاء الملايين عقب اشتعال الثورة اليتيمة، وتنفيذ ترانسفير مذهبي غير مسبوق في التاريخ.

أحمد الشرع كان الصورة المكثفة لهذه الخلفية بكل تداعياتها وأشكالها وسردياتها التي استفحلت على مدى أكثر من نصف قرن. وهو الوجه اللصيق لسنة سوريا ولبنان والعراق واليمن وفلسطين، الذين قتلوا وسجنوا وعذبوا، ثم اغتصب دورهم وحضورهم وفعاليتهم، بالتكافل والتضامن بين إيران وحلفها الأقلوي وأذرعها وأدواتها وجحافلها المذهبية، وبين إسرائيل ورعاتها ومشاريعها التوسعية والعنصرية العابرة للجغرافيا والخرائط.

يقبضون على الجمر

جسد أحمد الشرع تلك المظلومية التاريخية القصوى، بقدر ما بلوّر الصورة المستجدة للانتصار الكبير، وهذا ما ساهم بتحوّله بسرعة قياسية من الإرهابي الأول، إلى رجل دولة من الطراز الرفيع، ضمن انتصار لا يعني سوريا أو السوريين فحسب، بل يشمل كل أهل السُنّة في المنطقة، بل كل سني يدب فوق الأرض.

ليس ثمة سيرة موازية أو مشابهة في التاريخ الحديث لسردية أحمد الشرع

رسالة أحمد الشرع الأبلغ تكمن في النسف الكامل لكل السرديات الظالمة التي استدامت على مدى عقود في المخيال العام، على اعتبار أن السني هو العنوان الأكيد للدموية التوسعية التي لا يُمكن أن تتعايش مع أي تعدد، ولا يُمكن أن تُشكل أي عامل استقرار للمجتمعات المتنوعة في المنطقة، بل لا يُمكن أن تُشكل أي أساس لقيام دول طبيعية أو محترمة، بقدر ما ستكون بيئة حاضنة لنشر الرعب في العالم.

لكل ذلك وأكثر، تكمن الأهمية القصوى لتجربة أحمد الشرع، ليس انطلاقًا من نبوغ شخصي عز نظيره، وهذا واقع الحال، أو براغماتية لا يستطيعها إلا الراسخون في السياسة، بل استنادًا إلى فرصة ولحظة تاريخية قد لا تتكرر مرتين، تتمحور حول ضرورة كسر الصورة المشوهة، وبلورة صورة مشعة، عن أولئك الذين عصفت بهم العواصف من كل حدب وصوب، لكنهم ما برحوا يقبضون على أوطانهم كمن يقبض على الجمر، ويقبضون على عقولهم واعتدالهم وأحلامهم التي لا تنضب.

إقرأ أيضاً: الشّرع بعد عام.. هدنة الدّاخل وحسابات الخارج

أحمد الشرع شكّل الصورة الأجمل والأقوم والأبدع عن ذلك كله، وقد استطاع في أشهر معدودات أن يخطف الشرعيتين على نحو كامل: شرعية الناس والشرعية العربية والدولية. ولذلك استحق عن جدارة التوصيف الدقيق الذي نحته نهاد المشنوق: نجم العالم بلا منازع.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@kassimyousef

مواضيع ذات صلة

سوريا: سنة أولى حرية

عام انطوى على دولة وشعب وأمة استعادوا فيه الحياة، وعلى طاغية فارٍ يعيش بين الثلوج ولا يتكلم بل يكتفي فقط بالنحيب. عام على عودة دمشق…

سورية الشّرع: صعوبات استقبال الجديد

من سوء حظّ بشّار الأسد في منفاه أنّهم عندما كانوا ينشرون حديثاً طويلاً له في سيّارته مع مساعدته السابقة لونا الشبل فيه الكثير ممّا يدلّ…

الشّرع في عامه الأوّل: 80% من السّوريّين يثقون به

يريد السوريّون الكثير والكثير في الاقتصاد والأمن والديمقراطيّة، لكنّهم يثقون بشكل كبير وغير مسبوق برئيسهم أحمد الشرع لدرجة ستجعل كثراً من قادة العالم يحسدونه على…

سوريا الجديدة: عام على هزيمة إيران

لم تخسر إيران سوريا فجأة مع دخول قوّات هيئة تحرير الشام بقيادة أبي محمّد الجولاني إلى مدينة حلب مطلع كانون الأوّل 2024، ولا مع الانهيار…