السّلطة الفلسطينيّة في مأزق ماليّ مفتوح

مدة القراءة 6 د

تواصل إسرائيل احتجاز أموال الضرائب الفلسطينيّة، التي تشكّل قرابة 70% من مجمل إيراداتها، وتمتنع عن تسليمها منذ نيسان الماضي، وهو ما شكّل للسلطة أزمة ماليّة خانقة.

 

في الأوّل من كانون الأوّل، سلّمت المملكة العربيّة السعوديّة السلطةَ الفلسطينيّة دفعة من المنحة المقدَّمة لها بقيمة 90 مليون دولار في إطار الدعم السعوديّ المستمرّ لدولة فلسطين لعام 2025، بينما خصّص الاتّحاد الأوروبيّ، في 21 تشرين الثاني، أكثر من 82 مليون يورو تُضاف إلى ستّة ملايين يورو سبق إقرارها لدعم السلطة على هامش مؤتمر المانحين الذي استضافته بروكسل.

ترتبط المساعدات الأوروبيّة بشكل واضح بمدى التزام الحكومة تنفيذ خطّة الإصلاحات المطلوبة منها سياسيّاً وإداريّاً، التي أكّد رئيس الحكومة محمّد مصطفى المضيّ بها. وعلى الرغم من هذه المساعدات الماليّة، لا تزال السلطة الفلسطينيّة تترنّح تحت أزمة ماليّة خانقة تجعلها غير قادرة على الإيفاء بالتزاماتها تجاه شرائح عديدة، وخاصّة الموظّفين الذين لم يتلقّوا منذ سنوات رواتبهم بشكل كامل.

تواصل إسرائيل احتجاز أموال الضرائب الفلسطينيّة، التي تشكّل قرابة 70% من مجمل إيراداتها، وتمتنع عن تسليمها منذ نيسان الماضي، وهو ما شكّل للسلطة أزمة ماليّة خانقة

لا ضغوط جدّيّة

يُعدّ الاتّحاد الأوروبيّ الأكثر مساهمة في دعم السلطة ماليّاً، لكنّه، مقابل ذلك الدعم، وضع شروطاً تتضمّن العديد من الإصلاحات التي يجب على السلطة الفلسطينيّة التزامها، ويمثّل بذلك موقف العديد من الدول العربيّة والولايات المتّحدة الأميركيّة، وهو ما يجعل السلطة عرضة لضغوط تلك الجهات حتّى تبقى على قيد الحياة.

بينما تطالب دول العالم، بما فيها الاتّحاد الأوروبيّ والدول الأعضاء، إسرائيل بالإفراج عن أموال المقاصّة الفلسطينيّة، لا تفعل المطلوب منها ولا تضغط بشكل جدّي لإجبار إسرائيل على ذلك.

بات الفلسطينيّون يشعرون أنّ أزمة السلطة الماليّة ما خُلقت إلّا كي تبقى قائمة، وأنّه يوجد حرص على عدم إيجاد حلّ نهائيّ لها، حتّى تبقى السلطة خاضعة وضعيفة، وبالكاد تبقى على قيد الحياة، خاصّة في ظلّ عدم اتّخاذ خطوات تسهم في تقوية إيراداتها الماليّة الذاتيّة.

يرى خبراء أنّ التزام إسرائيل الإفراج عن أموال المقاصّة كاملة، واتّخاذ السلطة عدّة خطوات إصلاحيّة في محاربة الفساد والظواهر الاقتصاديّة السلبيّة، وتمكينها من إدارة موارد الضفّة واستغلالها، مثل المنطقة المصنّفة “ج”، ستجعل السلطة غير محتاجة إلى المساعدات الدوليّة.

ترزح السلطة الفلسطينيّة تحت دين كبير يتراكم شهراً بعد آخر، وأظهرت معطيات وزارة الماليّة أنّ مستحقّات موظّفي القطاع العامّ المتراكمة في ذمّة الحكومة وصلت إلى نحو 7.3 مليارات شيقل (2.26 مليار دولار) مع نهاية تشرين الأوّل الماضي، بينما بلغ إجماليّ الدين العامّ والمتأخّرات المتراكمة على الحكومة حتّى نهاية تشرين الأوّل الماضي نحو 46.5 مليار شيقل (14.39 مليار دولار)، موزّعة بين مستحقّات للقطاع الخاصّ، للبنوك جرّاء الاقتراض، للاقتراض الخارجيّ ولمؤسّسات وصناديق محلّيّة مثل صندوق التقاعد.

وصف تقرير لمنظّمة الأمم المتّحدة للتجارة والتنمية أنّ حرب غزّة التي استمرّت عامين والقيود الاقتصاديّة في الضفّة الغربيّة التي تحتلّها إسرائيل تسبّبت في انهيار غير مسبوق للاقتصاد الفلسطينيّ

بالتزامن مع الواقع الماليّ الصعب، يشهد الاقتصاد الفلسطينيّ انكماشاً متزايداً، إذ تؤكّد التقارير المحليّة والدوليّة أنّ الاقتصاد الفلسطينيّ يعيش أسوأ مراحله خلال عقود. إذ أكّد البنك الدوليّ في تقرير في تشرين الأوّل الماضي أنّ الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة تمرّ “بأسوأ أزمة اقتصاديّة منذ أكثر من ثلاثة عقود”، إذ اقتصاد القطاع “مشلول بالكامل”، فيما تعيش الضفّة الغربيّة تداعيات عميقة تمثّلت في فقدان واسع للوظائف وتراجع الخدمات وتعاظم الأزمة الماليّة للسلطة الفلسطينيّة التي تفاقمت في 2025 نتيجة تعليق إسرائيل تحويلات المقاصّة، فاضطرّت السلطة إلى خفض الرواتب إلى 60% في أيّار، ثمّ 50% في حزيران، وإلى زيادة الاقتراض من البنوك المحليّة، الأمر الذي رفع الدين العامّ إلى مستويات تفوق الحدود التي وضعتها سلطة النقد الفلسطينيّة.

الدّعم الخارجيّ لا يحلّ الأزمة

وصف تقرير لمنظّمة الأمم المتّحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) في 25 تشرين الثاني أنّ حرب غزّة التي استمرّت عامين والقيود الاقتصاديّة في الضفّة الغربيّة التي تحتلّها إسرائيل تسبّبت في انهيار غير مسبوق للاقتصاد الفلسطينيّ، ماحيةً أثر عقود من النموّ.

قال التقرير إنّ الاقتصاد الفلسطينيّ في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة انكمش 30% في 2024 مقارنة مع 2022، وهو الانكماش الأكثر حدّة منذ بدء جمع البيانات في عام 1972، إذ تجاوز نوبات الانكماش الاقتصاديّ السابقة خلال كثير من الصراعات منذ ذلك الحين، لافتاً إلى أنّ نصيب الفرد من الناتج المحلّي الإجماليّ الفلسطينيّ عاد بنهاية العام الماضي إلى مستواه في 2003، وهو ما يعني خسارة 22 عاماً من التنمية، وأنّ الأزمة الاقتصاديّة الناجمة عن ذلك تُعدّ من بين أسوأ عشر أزمات اقتصاديّة عالميّاً منذ عام 1960.

قال الباحث المختصّ بالشؤون الاقتصاديّة مؤيّد عفانة لـ”أساس” إنّ الدعم المقدّم من السعوديّة جيّد، ولولاه لما تمكّنت الحكومة من صرف جزء من رواتب الموظّفين، وهذا المبلغ يُضاف إلى ثلاثين مليوناً سابقة، وهو ما يعني أنّ السعوديّة قدّمت 120 مليون دولار خلال السنة الحاليّة، بواقع 10 ملايين شهريّاً، لكنّ هذا الدعم يظلّ محدود الأثر، وكذلك مساهمة الاتّحاد الأوروبيّ.

إقرأ أيضاً: إسرائيل تطبّق ضمّ الضّفّة تحت ذرائع أمنيّة

أضاف عفانة أنّ “فاتورة المقاصّة لشهر واحد من أموال الضرائب تبلغ 300 مليون دولار، وهذا يعني أنّه لو كان هناك ضغط حقيقيّ على إسرائيل للإفراج عن أموال المقاصّة، لحصلنا في شهر واحد على مرّة ونصف ما جرى تقديمه من دعم خارجيّ”، لافتاً إلى أنّ الدعم الخارجيّ لا يُنهي الأزمة الماليّة للسلطة، لكنّه يوفّر مرونة ماليّة للسلطة للتعامل مع الأزمة ولا ينهيها.

أشار عفانة إلى أنّ الحكومة بحاجة إلى 1.5 مليار شيقل شهريّاً حتّى تستطيع دفع رواتب الموظّفين كاملة والنفقات الأساسيّة، ولذلك ما حصلنا عليه من مساعدات خارجيّة لا يتجاوز 25% من ذلك المبلغ.

أكّد عفانة أنّ الحكومة، في حال أرادت دفع 70% من رواتب موظّفيها، بحاجة إلى 280 مليون دولار شهريّاً، ولذلك الأزمة الماليّة لن تنتهي إلّا بحصول السلطة على كامل أموال المقاصّة دون اقتطاع، والضغط على إسرائيل لتنفيذ نصوص بروتوكول باريس.

مواضيع ذات صلة

ما بعد “كابوس العراق”: مادورو ليس إلّا البداية

للهجوم على قراره القاضي باعتقال القوّات الأميركيّة الخاصّة الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو وزوجته عقب عمليّة كوماندوس معقّدة في كراكاس، سيستعيد خصوم الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب…

إيران تترنّح: وصفة البقاء لم تعد كافية

خمسة وأربعون عاماً مضت منذ أن تحدّت الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران نبوءات زوالها. صمدت أمام حرب مدمّرة، عقوبات خانقة، اغتيالات وانتفاضات شعبيّة متكرّرة. في كلّ…

المفاوضات السّوريّة – الإسرائيليّة: انطلاقة مثمرة

عُقدت في باريس، بعد أشهر من الانقطاع، جولة جديدة من المباحثات بين سوريا وإسرائيل. رأسَ الوفد السوريّ وزير الخارجيّة أسعد الشيباني، فيما أرسلت إسرائيل وفداً…

فلسطين: طموحات سياسيّة تعرقلها التّحدّيات الأمنيّة

تدخل السلطة الفلسطينيّة عام 2026 بأجندة سياسيّة طموحة تهدف إلى تعزيز الديمقراطيّة وإنهاء الاحتلال، لكنّ التحدّيات الداخليّة والخارجيّة تجعل إنجاز هذه الأجندة أمراً صعباً، وربّما…