يحاول النائب عماد الحوت عبثاً تغطية “السموات بالقبوات”. الرجل المعروف بندرة إطلالاته الإعلاميّة وجد نفسه خلال أسبوع واحد في سباق متواصل للتصريح والظهور العلنيّ، بعدما تحوّل الحديث عن توجّه الإدارة الأميركيّة لوضع الجماعة الإسلاميّة وبعض فروع الإخوان المسلمين على لائحة العقوبات إلى كرة ثلج تتدحرج بسرعة. هذه الكرة باتت تهدّد الجماعة وبنيتها وبيئتها في لبنان وخارجه، وكأنّها عاصفة شتويّة تلوح مع أوّل غيوم الموسم.
يحاول عماد الحوت، طبيب العظام، اليوم “جَبْر” ما كسره الأمين العامّ للجماعة محمد طقّوش الذي ارتكب ما ارتكب بحقّ جماعته وفروع إخوانه وطائفته، والعائلات البيروتيّة التي تتّصل به وبمن حوله بالقرب أو بالاسم. لقد قرّر طقّوش في ليلة غاب فيها العقل والتبصّر بعد 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023 أن ينتشي مع المنتشين من دون أن يعاقر الخمر، وتذاكى مع المتذاكين من دون أن يغادر مربّع الغباء السياسيّ، فقرّر أن ينوب عن سنّة لبنان بشيبهم وشبابهم ومجتمعهم الدينيّ والمدنيّ من الساسة والنشطاء والمؤثّرين. اختصر الجميع بشخصه ليخوض حرباً دون تدريب ودون إعداد ودون تخطيط، حتّى ظهر مرّة النائب وائل أبو فاعور على إحدى وسائل الإعلام مستهزئاً قائلاً: “بعض عناصر قوّات الفجر، الجناح العسكريّ للجماعة الإسلامية، أطلقوا صواريخ من قرية فسقطت في قرية لبنانيّة أخرى ولم تصل إلى الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة”، إضافة إلى الشهداء الذين تساقطوا في مستوصف الجماعة في شبعا، حيث لم تقتلهم الصواريخ الإسرائيلية وحسب بل قتلهم عدم الدراية والخبرة وكيفية الانتشار والاحتماء في مثل تلك الظروف.
الجهوزيّة العسكريّة عند شباب الجماعة الذين يطلقون على أنفسهم مسمّى “قوّات الفجر” هي بمستوى الجهوزيّة السياسيّة نفسها عند الطقّوش الذي سافر وسط المعركة إلى تركيا قبل أن تطالبه الأخيرة بالمغادرة بعد قرار وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024.
يحاول النائب عماد الحوت عبثاً تغطية “السموات بالقبوات”. الرجل المعروف بندرة إطلالاته الإعلاميّة وجد نفسه خلال أسبوع واحد في سباق متواصل للتصريح والظهور العلنيّ
هل العقوبات تستهدف السُّنّة؟
يحاول بعض قادة الجماعة الإيحاء بأنّ العقوبات الأميركيّة المرتقبة هي استهداف لطائفة السُّنّة برمّتها، لكنّ هذا الكلام برأي كثيرين لا يستقيم. فالولايات المتّحدة، على الرغم من عدم تحالفها المباشر مع السُّنّة في لبنان، لم تُظهر أيّ سياسة تستهدف الطائفة كجماعة. ما يجري هو جزء من مسار أميركيّ أوسع عنوانه تقليص نفوذ إيران وحلفائها في المنطقة، وتشمل لائحة الحلفاء أحزاباً سنّيّة وشيعيّة على حدّ سواء.
تأتي حادثة بيت جن على الحدود السوريّة حيث ادّعت إسرائيل أنّ من اعتقلتهم ينتسبون للجماعة التي نفت ذلك في بيان لها، دليلاً إضافيّاً على غياب الانضباط داخل الجماعة، فوجود عناصر مسلّحة للجماعة على أرض قرّرت دمشق التزام التهدئة فيها، في وقت تعمل القيادة السوريّة الجديدة على ترتيب أمن الحدود الجنوبيّة والسعي إلى اتّفاقات تقلّص التوتّر مع إسرائيل، يطرح أسئلة عن مدى التزام الجماعة مبدأ سيادة الدول وخياراتها الرسميّة.
خيارات الجماعة السّياسيّة والإقليميّة
منذ سنوات، تُتَّهَم الجماعة بأنّها لم تعتمد خيار الدولة في لبنان وسوريا، بل اتّجهت نحو علاقات ميدانيّة وسياسيّة مع “الحزب” على الرغم من التباين المذهبيّ والأيديولوجيّ، ومع إيران على الرغم من رفض البيئة السنّيّة للفكر السياسيّ الإيرانيّ. تحافظ الجماعة، بخلفيّتها الإخوانيّة، على علاقة وثيقة مع حركة حماس التي زاد دورها اللبنانيّ بعد 7 تشرين الأوّل.
تضع هذه الشبكة من الارتباطات الجماعة في موقع حسّاس أمام واشنطن، خصوصاً أنّ النقاش الأميركيّ في تصنيف الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابيّاً لا يزال قائماً منذ 2017، وإن لم يُحسم بشكل كامل. وعليه، أيّ عقوبات قد تصدر ستكون موجّهة إلى المؤسّسات أو الشخصيّات التي تراها واشنطن جزءاً من منظومة النفوذ الإيرانيّ أو الداعمة لحركات تراها مهدِّدة للاستقرار الإقليميّ.
لا تستهدف الولايات المتّحدة سُنّة لبنان، وذلك ليس حبّاً بهم ولا تحالفاً معهم، بل لديها أجندة عنوانها تحرير الشرق الأوسط من إيران وأذرعها
الفاتورة داخل البيئة السّنّيّة
تراكمت على الجماعة الإسلاميّة ديونٌ سياسيّة كبيرة تجاه بيئتها السنّيّة. فقد خسرت فرصة لمراجعة داخليّة إذ كان يكفي أن يستقيل محمّد طقوش كي يحدُث التغيير ونقرّ فيما بيننا ونُقنع الخارج وغيرنا أنّ هؤلاء العصبة فضّلوا فعل الندامة وقرّروا التغيير. لكنّ هذا لم يحصل وبقي الطقّوش يمارس رواية الغباء السياسيّ، تارة مستعرضاً في البقاع بآليّات شبه عسكريّة، وطوراً مصدراً بيانات أقلّ ما يُقال فيها أنّها تفتقر إلى الحكمة ولو بنسبة قليلة.
كان توقيف عدد من شباب العائلات السنّيّة البيروتيّة بعد مشاركتهم في معسكرات تدريب في المتن الأعلى قالت الجماعة إنّها “كشفيّة”، ثمّ تبيّن أنّها عسكريّة، أدّى إلى نقمة إضافيّة داخل المجتمع السنّيّ الذي يخشى تكرار سيناريوهات مسلّحة جلبت الويلات على طرابلس وصيدا في محطّات سابقة.
تقف الجماعة الإسلاميّة اليوم في موقع مصيريّ حرج. المسار الذي اختارته جعلها في نظر خصومها وحتّى بعض أبنائها جزءاً من الاصطفاف الإقليميّ الذي تتعامل معه واشنطن كخصم. وبالتالي إذا صدرت العقوبات الأميركيّة، فستطاول الجماعة نفسها لا السُّنّة كطائفة. أمّا الفاتورة الداخليّة فقد باتت ثقيلة تبدأ من الانتخابات النيابيّة وصولاً إلى المؤسّسات التعليميّة وأرزاق الكثير من تجّار سُنّة لبنان.
إقرأ أيضاً: إخوان لبنان.. هذا ما جناه طقوش ورفاقه؟
لا تستهدف الولايات المتّحدة سُنّة لبنان، وذلك ليس حبّاً بهم ولا تحالفاً معهم، بل لديها أجندة عنوانها تحرير الشرق الأوسط من إيران وأذرعها، وقد ارتضت الجماعة الإسلاميّة أن تكون أحد هذه الأذرع.
كان الأمر بإمكانه أن يكون مختصراً بتنحية طقّوش واستبعاد بعض المغامرين في البقاع وقرى العرقوب، لكنّ الإرتباك الداخليّ في صفوف الجماعة قد يذهب بهم جميعاً إلى القرار المؤلم الذي يتأرجح بين الحلّ الطوعيّ والحلّ بقرار حكوميّ.
لمتابعة الكاتب على X:
