يَدخل لبنان لأيّامٍ محدودة “هدنة افتراضيّة” تُبعِد شبح الحرب المُحتملة بنسخة إسرائيليّة “متطوّرة”، تفرضها زيارة البابا لاون الرابع عشر التاريخيّة للبنان، بدءاً من يوم غد حتّى الثلاثاء المقبل. آخر الكلام الدوليّ الثابت للمسؤولين اللبنانيّين والمُعزّز بقرار أميركيّ – إسرائيليّ ضمنيّ مفاده “لا وقت ولا فرصة للتفاوض الآن”: “لديكم فرصة أخيرة لنزع السلاح حتّى نهاية العام”.
للمرّة الأولى منذ تكليف الجيش، بناء على قرارات الحكومة في 5 و7 آب، تنفيذ مهمّة حصر السلاح، ثمّ “ترحيب” الحكومة بخطّة الجيش التنفيذيّة، نظّمت قيادة الجيش أمس جولة إعلاميّة لصحافيّين محليّين وأجانب بغية “توضيح” الصورة بعد عام تماماً من توقيع اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة، وتنفيذه من جانب واحد فقط، في ظلّ انتهاكات إسرائيليّة له تجزم أوساط رسميّة بأنّها لن تتوقّف حتّى خلال زيارة البابا لاون الرابع عشر للبنان.
شكّلت الجولة الميدانيّة التي تزامنت مع وجود قائد الجيش العماد رودولف هيكل في العاصمة الفرنسيّة انعكاساً لمواقف رئاسيّة خلاصتها: لبنان ملتزم الاتّفاق وسحب السلاح وخطّة الجيش الذي ينفّذ مهامّه “من دون أيّ تباطؤ”، لكنّ “البطء” سببه، كما قال رئيس الحكومة نوّاف سلام، الإمكانات المحدودة للجيش، يضيف إليها رئيس الجمهوريّة عائق الاحتلال الإسرائيليّ والانتهاكات اليوميّة للاتّفاق وتجاوز آليّة عمل “الميكانيزم”.
أمس، أتت مواقف الجيش على لسان قائد قطاع جنوب الليطاني العميد نقولا تابت أمام الإعلاميّين مثبّتة لعدّة وقائع، بشهادة “الميكانيزم”:
– لن يطلب الجيش تمديد المهلة الزمنيّة لإنجاز مرحلة حصر السلاح جنوب الليطاني، وقد نفّذ الجيش أكثر من 80% من خطّته.
– ما يعيق تنفيذ كلّ مراحل الخطّة هو استمرار احتلال إسرائيل.
– لم تقدّم إسرائيل أو أي من أعضاء “الميكانيزم” إثباتاً على تهريب “الحزب” السلاح. المنازل التي استهدفتها إسرائيل في الأسابيع الأخيرة جرى التثبّت من أنّها خالية من السلاح بتوثيق الجيش و”اليونيفيل”.
لن يطلب الجيش تمديد المهلة الزمنيّة لإنجاز مرحلة حصر السلاح جنوب الليطاني، وقد نفّذ الجيش أكثر من 80% من خطّته
أتت هذه المعاينة عن قرب في ظلّ ضغط إسرائيليّ – دوليّ غير مسبوق والتلويح بتصعيد ستكون نتائجه على لبنان أشدّ وطأة من “الحرب الأولى”، لأنّه سيتّخذ أشكالاً مغايرة قد تدفع لبنان الرسميّ، كما قال أحد المتابعين لحركة الموفدين الدوليّين، إلى “رفع العشرة”.
بين مورغان وبارّاك
خلال لقاءاته في بيروت وضع وزير الخارجيّة المصريّ بدر عبدالعاطي المسؤولين اللبنانيّين في صورة اجتماعاته التي أجراها على هامش اجتماع مجموعة الدول العشرين في جوهانسبرغ، وشملت رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجيّة القطريّ محمّد بن عبدالرحمن آل ثاني ووزير الخارجيّة الفرنسي جان نويل بار، إضافة إلى اتّصال هاتفيّ من جوهانسبورغ بوزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي.
دفعت مروحة هذه اللقاءات للمسؤول المصريّ، إضافة إلى المجريات في المنطقة، الوزير عبدالعاطي إلى قول الأمور كما هي: “نحن أمام إسرائيل التي لا تفقه لغة القانون ولا الاتّفاقات، بل تركن فقط إلى القوّة والعنف، والدليل نتائج العامّ الأوّل من اتّفاق وقف إطلاق النار. تريد نزعاً فوريّاً للسلاح، وإلّا فستستمرّ في التصرّف بما يخدم مصلحتها الاستراتيجيّة، وبما لا يمكن تصوّر نتائجه”.
لم يتحدّث عبدالعاطي عن مبادرة، أو “تحديث” لمبادرة، بل عرض “وساطة مصريّة بأن ينقل وجهة النظر اللبنانيّة الرسميّة إلى الـinner circle (الدائرة الداخليّة الضيّقة) للرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، وهذا ما يمكن أن يجعل الأميركيّين في موضع تفهّم أكبر للموقف اللبنانيّ، خصوصاً لجهة الجهد القائم، عبر الجيش، لنزع السلاح”.

لم يتوانَ الزائر المصريّ، في سياق لقاءاته مع مسؤولين رسميّين، وليس ضمن اللقاءات الموسّعة، أو في عشاء السفير المصريّ، عن القول: “تعرفون الخلافات القائمة بين مورغان أورتاغوس والموفد الأميركيّ توم بارّاك، وتعرفون أيضاً المقاربات التصعيديّة التي أطلقها الأخير، وأنّ هناك بعض المسؤولين الأميركيّين القادرين على قول ما يريدون في أذن الرئيس ترامب. نحن الطرف الوسيط نستطيع أن ننقل المقاربة اللبنانيّة، كما هي، إلى دائرة ترامب أيضاً”.
للمرّة الأولى منذ تكليف الجيش، بناء على قرارات الحكومة في 5 و7 آب، تنفيذ مهمّة حصر السلاح، ثمّ “ترحيب” الحكومة بخطّة الجيش
لا للتّفاوض
تجلّت الزبدة الأساسيّة لفحوى كلام الوزير المصريّ في عرض أكثر أهميّة يقضي باستضافة أو رعاية محادثات لبنانيّة- إسرائيليّة في القاهرة أو أيّ مكان آخر يتمّ الاتّفاق عليه، متحدّثاً عن المفهوم الجديد الذي يعتمده رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو وعنوانه “السيادة الأمنيّة” التي تسمح له، برأيه، “القيام بضربات في سوريا ولبنان، خارج أيّ اعتبارات، بما يخدم مصلحته الأمنيّة، وتشمل التوغّل البرّيّ في لبنان لتثبيت المنطقة العازلة وتوسيعها”.
لكن بالتأكيد يدرك المصريّ، كما الأميركيّ والسعوديّ والفرنسيّ والقطريّ، أنّ إسرائيل غير معنيّة بلغة التفاوض الآن، وأنّ إعادة إحياء “اللجنة الخماسيّة” نفسها، من خلال لقاء قريب سيجمع السفير الأميركي الجديد في لبنان ميشال عيسى مع نظرائه في اللجنة، لن تُحدث أيّ فرق ما دام الأمر الإسرائيليّ، المُغطّى أميركيّاً، هو نزع سلاح “الحزب” بالقوّة في ظلّ ما تراه تل أبيب عجزاً حكوميّاً عن التنفيذ، وأنّ التفاوض يأتي بعد تحوّل “الحزب” إلى جهة لا تملك خرطوشة واحدة.
حذّر عبدالعاطي من “خطورة سلوكيّة إسرائيل إذا لم يتمّ تقديم ما يمكن أن يُسهِم في إقناع تل أبيب بجدّيّة ما تقوم به الحكومة لجهة نزع السلاح جنوب الليطاني وشماله”، مؤكّداً أنّ “كلّ الدول المعنيّة بالأزمة اللبنانيّة اليوم، بما فيها مصر، ترى أنّ نزع السلاح واستعادة الدولة لقرارها أمر محتوم، والتأخير بتنفيذه هو ما قد يُسبّب خطراً إسرائيليّاً كبيراً على لبنان”.
إقرأ أيضاً: هيكل للضّبّاط: سأمدّد لكم إلى حين تحسين الأوضاع
ربّما نقطة الضعف الكبرى في زيارة وزير الخارجيّة المصريّ عدم نقله ردّاً أميركيّاً أو إسرائيليّاً على المبادرة “المكرّرة” لرئيس الجمهوريّة للتفاوض. واقع الحال أنّ الأخير اشتكى لزائره “عدم التجاوب مع “مبادرة الاستقلال”، ولا مع جهد الجيش في تنفيذ خطّة حصر السلاح، في ظلّ إمكانات محدودة جدّاً، واستعداده لعرض تقريره الثالث على طاولة الحكومة الأسبوع المقبل”.
لمتابعة الكاتب على X:
