لم تتمّ صياغة خطّة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب لإنهاء حرب أوكرانيا من وراء ظهر أوكرانيا وأوروبا فقط، بل من وراء المؤسّسات الأميركيّة نفسها. سرّبت بعض أجهزة الأمن في الولايات المتّحدة أنّها لا تعرف شيئاً، محذّرةً من خطورة بعض بنود الخطّة.
نُقل عن أعضاء في الكونغرس أنّهم سمعوا من وزير الخارجيّة ماركو روبيو أن ّالخطّة هي “تمنّيات روسيّة” قبل أن يسارع لاحقاً إلى تصويب الأمر والتأكيد أنّها Made in America، وأنّ الملفّات الساخنة للسياسة الخارجيّة للبيت الأبيض تصنعها الدائرة المقرّبة من ترامب لا موظّفو الدولة، فتولّى “الصديق” ستيف ويتكوف و”الصهر” جاريد كوشنر تدبير صفقة أوكرانيا.
البداية من فلوريدا
تبدأ القصّة من اجتماع سرّيّ عقده الرجلان مع كيريل ديمترييف رئيس صندوق الاستثمارات المباشرة الروسي والمقرّب من الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين في فلوريدا في تشرين الأوّل الماضي. يخضع الرجل وصندوقه للعقوبات الأميركيّة منذ عام 2022، وهو ما احتاج إلى إذن خاصّ لدخول الولايات المتّحدة. اقتصرت المحادثات على “رجال ترامب”، واستُبعد المبعوث الخاصّ إلى أوكرانيا كيث كيلوغ، الذي يستعدّ للتنحّي في كانون الثاني المقبل.
قالت معلومات أخرى إنّ رستم عميروف، أمين مجلس الأمن القوميّ والدفاع الأوكرانيّ، كان في ميامي في بداية الأسبوع الماضي لمناقشة الخطّة قبل أن تُسلَّم إلى كييف رسميّاً يوم الخميس الماضي. في المعلومات أنّ واشنطن بعثت بالخطّة أيضاً إلى تركيا، وهو ما قد يفسّر تصريح وزير الخارجيّة التركيّ هاكان فيدان المفاجئ في 16 من الشهر الجاري (بعد 4 أيّام من لقائه عميروف في أنقرة) أنّ حرب أوكرانيا “باتت على وشك الانتهاء”.
طالت الحرب وأوقعت خسائر في أوكرانيا ورفعت من مستوى تشكُّك الحلفاء في نجاعة استمرارها وسط فضائح فساد أضعفت من موقف كييف
تكرّس الخطّة في المضمون انتصاراً كاملاً لروسيا. تستجيب جلّ نقاطها الـ28 لمطالب موسكو جعل أوكرانيا تخضع للشروط السياسيّة والأمنيّة والعسكريّة الروسيّة. لا تسمح لأوكرانيا “دستوريّاً” بالانضمام إلى حلف الناتو، ولا تسمح لها بامتلاك قوّة عسكريّة وازنة، وتضع لحلفاء أوكرانيا سقفاً لتسليحها، وتمنعهم من نشر قوّات لهم داخل أراضيها. تعترف الخطّة بسيادة روسيا على القرم التي احتلّتها عام 2014، وعلى منطقة الدونباس، بما فيها الجزء الذي لا تحتلّه روسيا والمقدّرة مساحته بأكثر بقليل من 9 آلاف كلم مربّع، أي ما يقارب مساحة لبنان.

تستجيب الخطّة في الشكل لمطالب أوكرانيا وأوروبا توفير ضمانات أمنيّة لأوكرانيا لردع روسيا عن مهاجمتها من جديد والزحف باتّجاه أوروبا من خلال دول البلطيق وبولندا ورومانيا وغيرها من الدول الشرقيّة. وفيما مضمون الخطّة واضح حاسم حازم يعلن هزيمة أوكرانيا، تبدو الضمانات وإعادة الإعمار ومستقبل أوكرانيا السياسيّ مسائل ضبابيّة غامضة قابلة للتفسير والتأويل. بدت الروحيّة الروسيّة لخطّة ترامب نافرة في بند يطالب بإجراء انتخابات رئاسيّة في أوكرانيا خلال 100 يوم من وقت إبرام اتّفاق انتهاء الحرب، وهو تدخّل روسيّ – أميركيّ سافر لتحديد مستقبل المشهد السياسيّ الحاكم لأوكرانيا.
ما الذي تغيّر؟
جرى بعد قمّة ترامب – بوتين في ألاسكا في آب الماضي ترويج عناوين من هذا النوع سرعان ما تمّ إجهاضها. ليس واضحاً ما هي المعطيات التي يستند إليها ترامب لتمرير ما فشل مذّاك وأثار غضب واشنطن من عدم تعاون موسكو. لا شيء تغيّر في ما صدر عن قادة أوروبا في الأيّام الأخيرة من مطالبة بأن لا تتمّ مكافأة المعتدي ومعاقبة الضحيّة، ولا يتمّ القبول بمبدأ تغيير حدود الدول بالقوّة، ولا يتمّ حلّ شأن أوكرانيّ وأوروبيّ من دون جلوس أوكرانيا وأوروبا إلى طاولة المفاوضات.
لم تتمّ صياغة خطّة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب لإنهاء حرب أوكرانيا من وراء ظهر أوكرانيا وأوروبا فقط، بل من وراء المؤسّسات الأميركيّة نفسها
ما تغير أنّ الرئيس الأوكرانيّ فولوديمير زيلينسكي تعلّم، منذ مشادّة المكتب البيضاويّ الشهيرة، عدم الصدام مع ترامب واعتماد سياسة “نعم نعم، ولكن”، فأصدر مرسوم تشكيل الوفد الأوكرانيّ المفاوض.
الإشارات متوتّرة حائرة منذ إعلان الخطّة. قالت مصادر أميركيّة إنّ عميروف وافق على الخطّة، فنفى الرجل ذلك، وقال إنّ مهمّته كانت تقنيّة. ثمّ سرّبت مصادر أخرى أنّ الأميركيّين هدّدوا كييف بوقف مشاركة المعلومات الاستخباريّة، فنفت واشنطن الأمر. تنادى الأوروبيّون إلى إصدار موقف موحّد ظاهره التعامل مع الخطّة واعتبارها “أساساً للتفاوض”، وباطنه رفض للخطّة ودعم لأوكرانيا على الأقلّ لتحسين أوراقها. يعلن ترامب أنّه ليس أمام كييف إلّا القبول بالخطّة أو مواجهة هزيمة عسكريّة، ثمّ يعلن أنّ الخطّة ليست نهائيّة ويمكن تطويرها.
في الكونغرس شخصيّات جمهوريّة وديمقراطيّة رافضة لخطّة ترفع العقوبات عن روسيا وتعيد إدماجها داخل مجموعة G7. في أوروبا، وعلى الرغم من الجدل بشأن دعم حرب لا نهاية لها، مزاج رافض لإعلان نصر روسيّ يُنذر بتمدّدٍ له سوابق في تاريخ القارّة. تذاكت دول أوروبيّة (فرنسا وبريطانيا وإيطاليا) في أيلول 1938 في توقيع اتّفاق ميونيخ مع أدولف هتلر يمنح ألمانيا إقليم سوديتنلاند في تشيكوسلوفاكيا (من دون دعوة تشيكوسلوفاكيا) لتجنّب الحرب، فكان أن زحف جيش “الفوهرر” نحو أوروبا بعد أشهر.
ستكون مطلوبةً مراقبةُ المواقف بصيغها الأبجديّة لفهم اتّجاهات بوصلة الخطّة. يتحدّث زيلينسكي عن خيار صعب بين فقدان الشريك الرئيس، وفقدان كرامة الدولة. في الشقّ الأوّل إيحاء بضرورة القبول بالخطّة، وفي الشقّ الثاني تحريض على رفضها صوناً لكرامة البلد.
ما تغير أنّ الرئيس الأوكرانيّ فولوديمير زيلينسكي تعلّم، منذ مشادّة المكتب البيضاويّ الشهيرة، عدم الصدام مع ترامب واعتماد سياسة نعم نعم
طالت الحرب وأوقعت خسائر في أوكرانيا ورفعت من مستوى تشكُّك الحلفاء في نجاعة استمرارها وسط فضائح فساد أضعفت من موقف كييف. بالمقابل، قد لا يتوقّف خضوع الغرب لنصر بوتين عند حدود، فيعيد رسم خرائط أوروبا لتصبح تابعة لمزاج صفقة بين موسكو وواشنطن.
ماذا عن الصّين؟
يتيح نصر بوتين لروسيا إعادة ضبط حدائقها الخلفيّة، لا سيما في آسيا الوسطى، التي أظهرت تفلّتاً وميولاً استقلاليّة عن سطوة موسكو في السنوات الأخيرة. وقد تتيح تلك السابقة لترامب إعادة ضبط الحدائق الخلفيّة لبلاده، سواء في طموحات أُفرج عنها علناً بشأن كندا وبنما وغرينلاند، أو في ما يُدبّر لفنزويلا وأخواتها في أميركا اللاتينيّة.
إقرأ أيضاً: ترامب يكبح إسرائيل: هل استنجد نتنياهو ببوتين؟
لكنّ الأمر قد تبتسم له الصين مع تكريسه لحقّها في ضبط حدائقها، بما في ذلك تقرير مصير تايوان. إذا ما قبلت واشنطن مصير أوكرانيا بالقوّة الروسيّة، فالمنطق أن تقبل مصير تايوان حتّى من دون استخدام الصين لقواها.
لمتابعة الكاتب على X:
