سُنّة العراق: زعامة منقسمة وقرار مؤجّل

مدة القراءة 6 د

بعدما تمكّن “الإطار التنسيقيّ” الذي يضمّ غالبيّة الأحزاب والقوى والفصائل الشيعيّة من الاتّفاق على تحقيق وحدة البيت الشيعيّ قبل الانطلاق نحو إعلان موقفه من الاستحقاقات الدستوريّة، خاصّة ما يرتبط بالكتلة الكبرى التي يحقّ لها تسمية رئيس الوزراء، والبدء بالمشاورات الداخليّة للتفاهم على اسم الشخصيّة المرشّحة لتولّي هذا المنصب، فإنّ نقطة الانطلاق لتحقيق هذا الهدف تبدأ من انتخاب رئيس جديد للبرلمان، ثمّ يليها انتخاب رئيس للجمهوريّة يسمّي رئيس الحكومة المتّفق عليه ومرشّح الكتلة الكبرى.

 

إذا ما كان “الإطار” قد أنجز بالشكل خطواته الأولى داخليّاً، وعلى الرغم من تأكيد أقطابه ضرورة التسريع في الانتهاء من الاستحقاقات الدستوريّة لانطلاق العمل الحكوميّ، قد لا يكون الطريق نحو الاتّفاق على رئيس الوزراء سهلاً وميسّراً، وقد يدخل في متاهات كثيرة، في ظلّ الانقسام الموجود بين رغبة الرئيس الحاليّ محمد شيّاع السوداني بتجديد ولايته على الرغم من عدم الإجماع عليه، واعتماده على إمكان التوصّل إلى تسوية مع قوى “الإطار”، وبين معارضين لعودته يبحثون عن بديل له.

إحياء طموحات الحلبوسي

في المقابل، تتّجه الأنظار إلى المكوّن السنّيّ الذي يملك كلمة افتتاح إنجاز هذه الاستحقاقات، باعتبار أنّ رئاسة البرلمان هي من استحقاقه ضمن العُرف القائم في توزيع الرئاسات الثلاث. ولذا هو مطالَب بترتيب موقفه وبيته الداخليّ والاتّفاق على الشخصيّة المرشّحة لتولّي هذا الموقع، خاصّة بعد اصطدام طموحات بعض أقطاب هذا المكوّن، وتحديداً زعيم حزب “تقدّم” محمد الحلبوسي، بخرق العُرف الدستوريّ والمطالبة بنقل رئاسة الجمهوريّة إلى المكوّن السنّيّ مقابل تولّي المكوّن الكرديّ رئاسة البرلمان.

تتّجه الأنظار إلى المكوّن السنّيّ الذي يملك كلمة افتتاح إنجاز هذه الاستحقاقات، باعتبار أنّ رئاسة البرلمان هي من استحقاقه

الوصول إلى معادلة بين أقطاب المكوّن السنّيّ تشبه المعادلة داخل البيت الشيعيّ و”الإطار التنسيقيّ” يبدو أكثر تعقيداً لأنّ نتائج الانتخابات أعادت تكريس الحلبوسي زعيماً يملك الشرعيّة التمثيليّة لأبناء هذا المكوّن بعد حصوله على 35 مقعداً من أصل 77 مقعداً لكلّ المكوّن، واستطاع الحزب الذي يقوده “تقدّم” الحصول على المراكز الأولى في المحافظات التي تشكّل مناطق نفوذ لخصومه في المكوّن.

تعيد هذه النتائج إحياء طموحات الحلبوسي إلى العودة إلى رئاسة البرلمان، وتعيد له اعتباره الذي سقط في الدورة السابقة عندما أُقيل من منصبه وحُرم من عضويّة البرلمان بعد قرار المحكمة الاتّحاديّة التي اتّهمته بتزوير مستندات رسميّة واستخدامها ضدّ زملاء من النوّاب.

الحلبوسي

على العكس من التسريبات التي تحدّثت عن مساعٍ تُبذل داخل البيت السنّيّ لتشكيل “كتلة كبرى”، على غرار “الإطار التنسيقيّ”، تجمع بين متناقضات هي حزب “تقدّم” – الحلبوسي، حزب “السيادة” بقيادة خميس الخنجر (9 مقاعد) وحزب “الحسم” بقيادة ثابت العبّاسي (8 مقاعد)، ويكون لها الحقّ في تسمية المرشّح لرئاسة البرلمان، سارعت الأوساط السياسيّة السنّيّة المواكِبة إلى تأكيد أنّ هذه التسريبات غير دقيقة بالكامل. وهو ما يكشف بالتالي عمق الصراع بين هذه القوى وسعيها إلى تصدّر المشهد السياسيّ لهذا المكوّن.

ذاكرة “الإطار التنسيقيّ” لن تُسقط الدور الذي لعبه الحلبوسي في الانتخابات السابقة

بدأ الحلبوسي زيارات لعدد من قادة “الإطار التنسيقيّ”، افتتحها بلقاء مع زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، ثمّ زعيم تيّار الحكمة عمّار الحكيم، وقد تكون بمنزلة السعي إلى التوصّل إلى تسوية مع “الإطار” للمرحلة المقبلة، خاصّة أنّ “الإطار” يملك الصوت المرجَّح داخل البرلمان (187 مقعداً مع السوداني الذي يملك 45 مقعداً). قد تفتح له هذه التسوية الطريق أمام التفاهم مع زعيم حزب “العزم” واثق السامرائيّ الذي يُعتبر الأقرب إلى “الإطار التنسيقيّ” ويتأثّر بتحالفاته مع أقطابه. وبالتالي سيكون قادراً على تشكيل الكتلة السنّيّة الكبرى بإضافة مقاعد “عزم” – السامرائي (15) إلى مقاعده (35). إلّا أنّ العقبة أمام الحلبوسي ترتبط بموقف “الإطار” شبه الإجماعيّ الذي لا يرغب بعودته باعتبار ما يشكّله من تهديد سياسيّ، ويفضّل دعم السامرائي لتصدّر المشهد داخل المكوّن السنّيّ لأنّه أسهل في التعامل مع “الإطار” ولا يملك طموحات الحلبوسي إلى التفرّد بالزعامة التي تشكّل مصدر قلق وإزعاج لقيادات داخل “الإطار”.

طريق صعب ومعقّد

في موازاة طموحه إلى العودة إلى رئاسة البرلمان، لم يُسقط الحلبوسي من حساباته إمكان الفشل، لذلك ما يتسرّب من دوائره عن أنّه ما يزال عند موقفه بألّا يكون المرشّح البديل، وحتّى المرشّح لتولّي وزارة الدفاع التي تُعتبر من استحقاق المكوّن السنّيّ من أبناء الأنبار، مع احتفاظه بحقّ حزبه في تسمية المرشّح للرئاسة. وقد يذهب إلى التفاهم مع زعيم حزب “الحسم” ثابت العبّاسي المدعوم تركيّاً على تسوية تسمح له بتولّي رئاسة البرلمان، أو استمالة العبّاسي إلى جانبه، مقابل دعم مرشّحه لتولّي وزارة الدفاع اللواء نجم الجبوري المقبول أميركيّاً الذي سبق أن تولّى منصب محافظ نينوى واستبعدته هيئة المساءلة والعدالة عن الانتخابات الأخيرة.

بدأ الحلبوسي زيارات لعدد من قادة “الإطار التنسيقيّ”، افتتحها بلقاء مع زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي

قد يذهب الطرف الآخر من المكوّن السنّيّ، أي حزب “السيادة” – الخنجر المدعوم تركيّاً وقطريّاً، إلى التحالف مع رئيس البرلمان المنتهية ولايته محمود المشهداني في معركة الحصول على وزارة الدفاع بطرح اسم ناصر الغنّام مرشّحاً لهذا التحالف. مع تريّثهما في إعلان موقفهما بانتظار الموقف الذي سيصدر عن “الإطار التنسيقيّ”، من دون استبعاد إمكان التحالف مع الحلبوسي في حال ضمن الأخير لهما مصالحهما وحصّتهما في الحكومة.

إقرأ أيضاً: العراق: الإطار التنسيقي ينطلق للقبض على الدولة

بانتظار أن يحسم “الإطار التنسيقيّ” قراره في الاسم المرشّح لتولّي رئاسة الحكومة، يبدو البيت السنّيّ حتّى الآن بعيداً عن إمكان التوصّل لتشكيل كتلته الكبرى، والطريق أمام الحلبوسي للعودة قد لا يكون سهلاً إن لم يكن صعباً ومعقّداً، خاصّة أنّ ذاكرة “الإطار التنسيقيّ” لن تُسقط الدور الذي لعبه الحلبوسي في الانتخابات السابقة، عندما حاول من خلال التحالف الذي نسجه مع مقتدى الصدر زعيم التيّار الصدريّ والحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ بزعامة مسعود بارزاني تحت اسم “التحالف الوطنيّ” تشكيل حكومة أغلبيّة تستبعد أحزاب وقوى “الإطار” منها. إلّا أنّ لجوء “الإطار” إلى ورقة الثلث المعطّل قطع الطريق على هذا المشروع، وانتهى الأمر بإعلان الصدر الانسحاب من الحياة السياسيّة واستقالة نوّابه الثلاثة والسبعين (73)، فعاد الحلبوسي والديمقراطي للانضمام إلى ائتلاف إدارة الدولة الذي أنتج في تشرين الأوّل 2022 حكومة السوداني وتولّيه رئاسة البرلمان.

مواضيع ذات صلة

روبيو في ميونيخ: الاتّهام المخمليّ لأوروبا

رسم وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو، في الخطاب الرئيس الذي ألقاه في مؤتمر ميونيخ للأمن 2026، قبل أيّام، الخطوط العريضة لرؤية إدارة الرئيس دونالد ترامب…

إيران وأميركا: طبول الحرب وآفاق التّسوية

تصاعدت وتيرة التحضيرات لعمليّة عسكريّة أميركيّة واسعة النطاق في إيران، ووصلت حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة في مشهد غير مسبوق يختلف نوعيّاً عن أجواء الاحتقان…

معركة وراثة ترامب: فانس ضدّ روبيو

بينما يستقرّ دونالد ترامب في ولايته الثانية، يطفو سؤال واحد فوق المشهد الجمهوريّ: من سيرث حركة “ماغا”؟   حركة “ماغا” التي أعادت تشكيل الحزب الجمهوريّ…

رفيق الحريري… قراءة في المسار لا في الحدث

تمرّ إحدى وعشرون سنة على اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ولا يزال ذلك اليوم من شباط 2005 يبدو كأنّه اللحظة الفاصلة التي انكسر عندها إيقاع لبنان…