بعد عقودٍ من تصدير النفط، تتجه المملكة العربية السعودية إلى تصدير سلعة جديدة لا تقل قيمة في العصر الرقمي: القدرة الحاسوبية. ففي شمال غرب البلاد قرب البحر الأحمر، يُبنى مركز بيانات عملاق بقيمة 5 مليارات دولار، يُفترض أن يزوّد مطوّري الذكاء الاصطناعي حول العالم بطاقة حوسبة كافية لتشغيل أعمالهم، من أوروبا حتى آسيا وأفريقيا.
بحسب تقرير نيويورك تايمز، يطمح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى تحويل ثروة المملكة النفطية إلى نفوذ تكنولوجي، وسط سباق عالمي محموم حول القوة الحاسوبية اللازمة لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي.
شراكات مع عمالقة التكنولوجيا وحضور في “دافوس الصحراء”
تجري السعودية مفاوضات واسعة مع شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى للاستفادة من مراكز البيانات قيد الإنشاء. وقد حضر مسؤولون من OpenAI، Google، Qualcomm، Intel، Oracle مؤتمر مبادرة الاستثمار المستقبلي في الرياض، فيما يستعد الأمير محمد لزيارة الولايات المتحدة قريباً لتعميق هذه الشراكات.
يكشف سعيد الدوباس، أحد كبار التنفيذيين في شركة هيومين Humain السعودية الجديدة، أنّ صفقة مرتقبة قد توفّر قوة حوسبة ضخمة لشركة xAI التابعة لإيلون ماسك، مضيفاً: “كانت أمازون هنا أمس، وكانت مايكروسوفت هذا الصباح… وما نناقشه مع ماسك هو خطة أكبر بكثير.”
أُسست شركة هيومين في أيار 2024 لتكون بمثابة “أرامكو الذكاء الاصطناعي”. تسعى الشركة لاستيعاب 6% من عبء عمل الذكاء الاصطناعي في العالم
هيومين… مشروع سعودي لاستيعاب 6% من أعمال الذكاء الاصطناعي عالمياً
أُسست شركة هيومين في أيار 2024 لتكون بمثابة “أرامكو الذكاء الاصطناعي”. تسعى الشركة لاستيعاب 6% من عبء عمل الذكاء الاصطناعي في العالم خلال السنوات المقبلة، بعدما كانت السعودية تستحوذ على أقل من 1% فقط.
لتحقيق هذه القفزة، تبني المملكة ثلاثة مجمّعات حوسبة عملاقة تستهدف الشركات الأجنبية، مع تكلفة أقل بما لا يقل عن 30% من الولايات المتحدة بفضل الطاقة الرخيصة، والمساحات الواسعة، وتسريع إجراءات البناء التي تنجز في أسابيع.
كما تبحث الرياض إنشاء “مناطق سفارات بيانات” تسمح للشركات بالعمل وفق قوانينها الوطنية، لتبديد المخاوف من البيئة التنظيمية المحلية.
استثمارات ضخمة… وتحوّل اقتصادي تقوده الرقائق
من أرامكو إلى الحكومة، تتوسع الاستثمارات السعودية في الذكاء الاصطناعي بشكل متسارع:
- شراء رقائق متقدمة من Nvidia وAMD وQualcomm
- صفقة بـ 5 مليارات دولار مع أمازون لبناء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي
- إطلاق روبوت محادثة عربي “آمن وغير ضار” وفق الوصف الرسمي
- تطوير حواسيب وأدوات ذكاء اصطناعي محلية
- تأسيس وحدات رقمية في أرامكو وهيئات حكومية جديدة منذ 2019
تراهن المملكة على أن قدرتها على توفير طاقة كهربائية رخيصة ستجذب الشركات التي تستنزف نماذج الذكاء الاصطناعي قدرات هائلة من الكهرباء. وتُخطط مواقع هيومين لتوفّر 6.6 غيغاواط بحلول 2034، وهو ما يعادل إنتاج ستة مفاعلات نووية.
تبحث الرياض إنشاء “مناطق سفارات بيانات” تسمح للشركات بالعمل وفق قوانينها الوطنية، لتبديد المخاوف من البيئة التنظيمية المحلية
معركة الرقائق: العقبة التي قد تعرقل الطموح السعودي
رغم الطموحات الضخمة، تواجه السعودية تحدياً محورياً: الحصول على رقائق الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدمة.
خلال زيارة الرئيس ترامب للرياض، حصلت الشركات السعودية على موافقة أولية لشراء آلاف الرقائق من Nvidia، لكن الموافقات النهائية لم تصدر بعد بسبب المخاوف الأميركية من العلاقة المتنامية بين الرياض وبكين.
فالسعودية تحاول موازنة علاقاتها بين الطرفين:
- شركات صينية مثل DeepSeek تستخدم مراكز بيانات تابعة لأرامكو
- استثمارات سعودية في شركات صينية رائدة مثل ZhipuAI
- تعاون تقني صيني في تطوير شبكات الاتصالات منذ 2019
تعتبر بعض الأوساط الأميركية أنّ بناء مراكز بيانات تحتوي تجهيزات أميركية وصينية في المملكة قد يجعلها ساحة تنافس مباشر بين القوى التكنولوجية الكبرى.
بعد عقودٍ من تصدير النفط، تتجه المملكة العربية السعودية إلى تصدير سلعة جديدة لا تقل قيمة في العصر الرقمي: القدرة الحاسوبية
طموح سياسي واقتصادي… ونفوذ جديد خارج إطار النفط
يرى خبراء أميركيون أنّ السعودية لا تبحث فقط عن تحديث اقتصادها، بل عن نفوذ عالمي شبيه بنفوذ النفط. فالقوة الحاسوبية قد تصبح مورداً مركزياً في علاقات الدول، كما كان النفط لعقود.
يقول الباحث في مركز الأمن الأميركي الجديد، فيفيك تشيلوكوري: “قد لا تحقق المملكة كل أهدافها، لكنها قد تحقق أكثر مما يعتقد الكثير من منتقديها.”
سباق بناء البنية التحتية لا يتوقف على الأرض، يتواصل العمل بوتيرة متسارعة:
- فرق البناء تجهز موقع DataVolt قرب الرياض
- خنادق الكابلات تُحفر استعداداً لربط الشبكات
- أمازون تضع اللمسات الأخيرة على منشأتها الموازية
- مراكز جديدة على البحر الأحمر ستدخل الخدمة عام 2028
إقرأ أيضاً: “بوليتيكو”: اقتصاد ترامب سعوديّ التّوجّه؟
مشهد يعكس دولة تريد أن تنتقل بسرعة من عصر النفط إلى عصر الذكاء الاصطناعي—وتطمح لأن تصبح ثالث أكبر منتج عالمي للقوة الحاسوبية بعد الولايات المتحدة والصين.
