غزّة: رئاسة أميركيّة بصلاحيّات فوق فلسطينيّة

مدة القراءة 6 د

من سيحكم غزّة بعد إقرار خطّة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب أمميّاً؟ هل يتحوّل القرار من إطار لوقف الحرب إلى مشروع لإعادة هندسة غزّة سياسيّاً وأمنيّاً؟ وهل ما طُرح تحت عنوان “السلام” ليس سوى وصاية دوليّة طويلة الأمد؟ وهل نحن أمام مسار يرسم مستقبل القطاع بالاتّفاق بين واشنطن وتل أبيب، فيما يُطلب من الفلسطينيّين الاكتفاء بدور إداريّ محدود؟

 

 

أعطى قرار مجلس الأمن رقم 2803 في شأن غزّة الضوء الأخضر للولايات المتّحدة للشروع في تنفيذ خمس خطوات أساسيّة ضمن خطة ترامب لإنهاء الحرب في القطاع، وهي خطّة تهدف إلى إعادة الاستقرار والأمن، وتهيئة بيئة مناسبة لإعادة الإعمار والتنمية الاقتصاديّة بعد سنوات من الصراع وسنتين من التدمير الإسرائيليّ الشامل.

يتيح القرار للدول الراغبة في إعلان مساهمتها رسميّاً في قوّة الاستقرار الدوليّة التي ستنتشر في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي داخل غزّة، تمهيداً لانسحاب إسرائيليّ تدريجيّ وفق جدول زمنيّ محدّد. ويشمل هذا الانسحاب نحو نصف أراضي غزّة، مع بقاء قوّات الاحتلال متمركزة في بعض المناطق الواقعة أسفل “الخطّ الأصفر”.

بالتوازي، تُشكَّل هيئة جديدة بعنوان مجلس السلام الدوليّ برئاسة ترامب، تضمّ رؤساء دول وحكومات من عدّة دول، لتكون المرجعيّة السياسيّة والإداريّة للمرحلة الانتقاليّة. يتولّى هذا المجلس إنشاء لجنة فلسطينيّة تكنوقراطيّة تشرف على الشؤون الحياتيّة والخدمات المدنيّة، بالتعاون مع جامعة الدول العربيّة، ومع الإبقاء على دور للسلطة الفلسطينيّة بعد إعادة إصلاحها.

بدل أن يكون الهدف الفلسطينيّ بناء الدولة الوطنيّة المستقلّة، صار أقصى الطموحات هو منع الترانسفير الجديد

رئاسة أميركيّة لـ”سلام” غزّة؟

هل يمهّد القرار لوضع غزّة تحت وصاية دوليّة؟

نظريّاً، يرأس الرئيس الأميركيّ مجلس السلام متمتّعاً بصلاحيّات واسعة حتّى 31 كانون الأوّل 2027. ولا يقتصر دوره على الإشراف العامّ، بل يشمل تنسيق إعادة الإعمار، توفير التمويل، إدارة الخدمات العامّة والمساعدات الإنسانيّة وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع من غزّة وإليها.

لا تشير هذه المدّة إلى “مرحلة انتقاليّة” تقليديّة، بل إلى وصاية دوليّة ممتدّة تُنزع خلالها معظم مظاهر السيادة الفلسطينيّة، وتُصبح الإدارة الفلسطينيّة الحاليّة أو المستقبليّة خاضعة بالكامل لمعايير وتقويمات المجلس وقيادته الأميركيّة.

الأهمّ أنّ القرار يربط نقل الصلاحيّات إلى السلطة الفلسطينيّة بإنجازها برنامجاً إصلاحيّاً “مُرضياً” يجعل الشرعيّة الإداريّة للسلطة مشروطة بتقويم خارجيّ لا بتمثيلها الوطنيّ. هكذا يتحوّل المجلس إلى أداة ضغط لفرض أجندة إصلاحيّة محدّدة تتوافق مع أولويّات واشنطن وإسرائيل.

ربَط القرار الدوليّ عودة السلطة إلى غزّة بإتمام “إصلاحات عميقة”، لكنّ هذا الإصلاح يأتي عبر دفتر شروط خارجيّ يصوغه توني بلير

قوّة الاستقرار الدّوليّة: من “حفظ سلام” إلى “إنفاذ استقرار”

تمثّل “قوّة الاستقرار الدوليّة” الذراع الأمنيّة لخطّة اليوم التالي، وقد مُنحت تفويضاً عسكريّاً واسعاً يجعلها أقرب إلى قوّة إنفاذ استقرار منها إلى قوّة حفظ سلام تقليديّة. فمن مهمّاتها الأساسيّة نزع سلاح “حماس” والفصائل المسلّحة، وهو ما تعتبره الحركة حقّاً مشروعاً ما بقي الاحتلال قائماً. وهكذا يتحوّل التفويض الدوليّ إلى مهمّة قتاليّة محتملة تُفقد القوّة حيادها وتضعها عمليّاً في موقع الطرف المقاتل لمصلحة إسرائيل، مهدِّداً بتفجير الصراع بدل تهدئته.

أضف إلى ذلك أنّ ثمّة تناقضاً جوهريّاً بين الهدف الأمنيّ الآنيّ، أي نزع السلاح، والهدف السياسيّ الطويل الأمد، أي المسار المؤدّي إلى إقامة الدولة الفلسطينيّة، وهو الشرط الرئيس الذي أصرّت الدول العربيّة، لا سيما السعوديّة، على فرضه من أجل الموافقة على الخطّة. ولمّا كان رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وخلفه كلّ الأحزاب اليمينيّة الإسرائيليّة، يصرّون على رفضهم الحاسم لإقامة هذه الدولة، تصير الخطّة بأكملها مهدَّدة بإفراغها من مضمونها الشامل.

إصلاح السّلطة الفلسطينيّة… أم إعادة هندستها؟

ربَط القرار الدوليّ عودة السلطة إلى غزّة بإتمام “إصلاحات عميقة”، لكنّ هذا الإصلاح يأتي عبر دفتر شروط خارجيّ يصوغه توني بلير والجنرال الأميركيّ كيث دايتون، تحت رقابة إسرائيليّة لصيقة تتدخّل في كلّ تفصيل.

في حال “عدم اكتمال الشروط الأمنيّة” أو “التعثّر في مسار الإصلاح الفلسطينيّ” أو “رفض الفصائل التعاون”، يستمرّ مجلس السلام الدوليّ بقيادة واشنطن في إدارة غزّة، وتستمرّ قوّة الاستقرار الدوليّة في السيطرة على غالبيّة القطاع، وتقديم إدارة خدماتيّة – إغاثيّة – أمنيّة من خلال لجنة فلسطينيّة تكنوقراطيّة محدودة الصلاحيّات. هكذا يبقى القرار السياديّ الفعليّ بيد واشنطن، مع دور عربيّ رمزيّ يُستخدم لإضفاء شرعيّة إقليميّة. وقد يؤدّي ذلك إلى:

  • تعزيز الفصل السياسيّ بين غزّة والضفّة.
  • تحويل القطاع إلى منطقة “منزوعة السيادة” تحت إدارة خارجيّة ممتدّة.
  • تكريس سلطة فلسطينيّة ضعيفة وظيفيّاً، خاضعة لشروط أمنيّة صارمة.

هذا السيناريو هو الأفضل لإسرائيل، ذلك أنّه يخلّصها من عبء الإدارة المباشرة، ويوكَل إلى قوّة دوليّة تنفيذ المهمّة التي تريدها: نزع السلاح، ويؤجل ولادة كيان فلسطينيّ فاعل يمكن أن يتطوّر إلى دولة.

أمّا السيناريو الثاني فهو عودة سلطة فلسطينيّة “مجدّدة”، لكن بشكل وظيفيّ لا سياسيّ. وهذا يعتمد على نجاح برنامج الإصلاح المفروض على السلطة، بحيث تعود إلى غزّة لكن من دون امتلاك قرار سياسيّ مستقلّ.

يجعل هذا المسارُ السلطةَ أقرب إلى جهاز وظيفيّ أمنيّ منها إلى قيادة سياسيّة وطنيّة، ويكرّس رؤية إسرائيل للفلسطينيّين سكّانَ مناطق لا شعباً ذا حقوق سياسيّة، وللاقتصاد الفلسطينيّ اقتصاداً استهلاكيّاً خاضعاً للضبط، مع السعي إلى التحكّم بالمناهج والذاكرة الوطنيّة تحت شعار مكافحة “التحريض”.

 إقرأ أيضاً: دستور فلسطينيّ بنكهة فرنسيّة

أمّا التيّار الإسرائيليّ المتطرّف، الممثَّل بالوزيرَين بتسلئيل سموتريتش وإيتامار بن غفير، ونتنياهو ليس بعيداً عنهما، فلا يضيع فرصة في سبيل تفكيك السلطة أو تحويلها إلى إدارة مدنيّة ضعيفة بلا أيّ مضمون سياسيّ.

ضياع المشروع الوطنيّ

بدل أن يكون الهدف الفلسطينيّ بناء الدولة الوطنيّة المستقلّة، صار أقصى الطموحات هو منع الترانسفير الجديد. ولو كانت منظّمة التحرير قد استجابت مبكراً لمطالب قواعدها في الإصلاح، ولم تتخلَّ عن دورها التمثيليّ الوطنيّ، لما ابتعدت غزّة عن الضفّة، ولما تعمّق الشتات والتفرقة، ولما وصلت القضيّة إلى ما وصلت إليه اليوم. لو كان على رأس منظّمة تحظى بشرعيّة تاريخيّة قادةٌ بقامة أبي عمّار، أبي جهاد، أبي إياد أو الحكيم جورج حبش، لما كان ممكناً تجاهلها في أيّ استحقاق يتعلّق بمستقبل الفلسطينيّين، ولا السماح لأيّ جهة خارجيّة بإدارة شؤون غزّة أو فصلها عن الضفّة والقدس.

مواضيع ذات صلة

ترامب والعالم: السّباق نحو “صندوق” الخريف

لم تعرف الولايات المتّحدة في تاريخها رئيساً يمكن التشبيه به لفهم دونالد ترامب. يمكن أن نجد للترامبيّة منابع في يمينيّة قوميّة محافظة، بعضها عنصريّ، شهدتها…

نوري المالكي مجدّداً.. المرشد “يستنفز” جنوده!

هل يحتاج العراق اليوم إلى استعادة وجوه الماضي أم إلى فتح صفحة جديدة؟ هل يعكس ترشيح نوري المالكي قراءة داخليّة لمصلحة البلاد أم استدعاءً إقليميّاً…

اليَمَنُ وسُؤال الدولةِ الغائبةِ: متى يعود سعيداً؟

لم يعد استدعاء تسمية “اليمن السعيد” فعلاً لغوياً أو حنيناً تاريخياً، بل بات مدخلاً ضرورياً لفهم واحدة من أكثر أزمات العالم العربي تعقيداً وخطورة. فاليمن،…

المفاوضات الرّوسيّة – الأوكرانيّة…تدير السّلام ولا تُنهي الصّراع

بدأت مفاوضات السلام الروسيّة – الأوكرانيّة، لكنّها لم تتّخذ صفة محطّة تفاوضيّة عاديّة، بل كانت حدثاً محمّلاً بدلالات تتجاوز الجغرافيا والزمان. لا تُقرأ المفاوضات فقط…