أنهت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق إعلان النتائج النهائية بعد المصادقة عليها من الجهات القضائية المختصة. وجاءت النتائج حاملةً تغييرات طفيفة في حجم تمثيل المكوّنات داخل البرلمان المؤلف من 320 مقعداً، من دون احتساب مقاعد كوتا الأقليات البالغ عددها تسعة. وقد تراجعت حصة أحزاب وفصائل الإطار التنسيقي من 197 إلى 187 مقعداً، مقابل ارتفاع ملحوظ في تمثيل المكوّن السني الذي بلغ 77 مقعداً.
أما المقاعد العشرة التي فقدها الإطار، فلم تكن خصماً من رصيده الفعلي، بل جاءت نتيجة فصل المرشحين السنّة الذين فازوا عبر ائتلافاته، واحتسابهم ضمن حصة مكوّنهم الطبيعي. كذلك ارتفعت حصة حزب “تقدّم” بزعامة محمد الحلبوسي من 29 إلى 36 مقعداً، وهو الفريق الذي حصد الجزء الأكبر من المقاعد السنية المستعادة. وبذلك يصبح العدد الخالص للمقاعد الشيعية لدى الإطار 187 مقعداً بحسب إعلان المفوضية.
ومع اتضاح الصورة الكاملة وتحديد الوزن الحقيقي للمقعدين الشيعي والسني، عقدت قوى الإطار التنسيقي اجتماعاً موسعاً لوضع رؤيتها للمرحلة المقبلة، بما يشمل تشكيل الكتلة الأكبر وتسمية رئيس الحكومة الجديد. وقد كان لافتاً في الاجتماع حضور رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، ما يعكس رغبة قوى الإطار في إظهار قدر من الوحدة الداخلية وتعزيز التنسيق بين أطرافه في مواجهة التحديات المقبلة التي قد تهدد استقرار العراق السياسي والاقتصادي.
أنهت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق إعلان النتائج النهائية بعد المصادقة عليها من الجهات القضائية المختصة
لعبة الثلث المعطل
عودة السوداني إلى اجتماعات الإطار جاءت في ظل تصاعد أحاديث عن اعتراض داخل بعض فصائل الإطار على تجديد ولايته. ورغم تأكيد مقربين من السوداني، خصوصاً داخل ائتلاف الإعمار والتنمية، أنه لم يخرج من الإطار أصلاً ليعود إليه، إلا أن أداءه الانتخابي لم يمنحه القدرة على فرض نفسه رقماً حاسماً في تشكيل تحالفات تضمن بقائه على رأس الحكومة، رغم حصوله على 47 مقعداً، وهي النسبة الأكبر بين القوى الشيعية.
السوداني يدرك أن الإطار ما يزال يمتلك الأكثرية الشيعية التي تمكّنه من إدارة «لعبة الثلث المعطّل» داخل البرلمان، سواء اجتمع بالكامل أو تحالف بعض أطرافه فقط مع السوداني. وفي المقابل، تبدو خيارات السوداني للتحالف مع القوى غير الشيعية محدودة، لأن حسابات هذه القوى ستتأثر حتماً بموقف الإطار وموازين القوى داخله.
كما يخشى السوداني من انقسام داخل ائتلافه إذا قرر الذهاب إلى مواجهة مباشرة مع الإطار. فقيادات أساسية مثل فالح الفياض لن تكون في وارد تحدّي الإجماع الشيعي، ما قد يترك السوداني في موقع ضعيف داخل المعادلة السياسية. ولذلك، قد تكون العودة إلى الإطار خياراً اضطرارياً بالنسبة له، سواء عبر قبوله بـ«دفتر الشروط» الذي ستضعه قوى الإطار مقابل دعمه لولاية جديدة، أو عبر الاكتفاء بدور شريك مؤثر في الحكومة المقبلة.
على خط موازٍ، شكّل إعلان الإطار التنسيقي عن نفسه «الكتلة الأكبر» خطوة حاسمة، إذ سيجري تثبيت ذلك في الجلسة الأولى للبرلمان، الأمر الذي رفع وتيرة الاتصالات بين المكوّنات الأخرى التي تسعى إلى تأمين مواقعها داخل الحكومة المقبلة. ويظهر ذلك في اللقاء السريع بين نوري المالكي ومحمد الحلبوسي، وهو ما يشير إلى بوادر تحالف سني–شيعي جديد قد يضيف إلى الإطار 36 صوتاً إضافياً عبر كتلة تقدّم.
عودة السوداني إلى اجتماعات الإطار جاءت في ظل تصاعد أحاديث عن اعتراض داخل بعض فصائل الإطار على تجديد ولايته
شروط مسبقة
الحلبوسي بدوره يسعى إلى العودة لرئاسة البرلمان، وإن كان مضطراً للقبول بسقوف تفاوضية يضعها الإطار، خصوصاً بعد فشل طموحه في انتزاع موقع رئاسة الجمهورية المستحيل في ظل الرفض الكردي القاطع. وهذا ما قد يدفع قوى سنية أخرى مثل “عزم” بزعامة مثنى السامرائي، و”السيادة” بزعامة خميس الخنجر، والجماهير الوطنية بقيادة أحمد الجبوري، و”حسم” بزعامة ثابت العباسي، إلى التقارب من الإطار، خاصة أنها كانت جزءاً من تحالف «إدارة الدولة» في الدورة السابقة.
أما كردياً، فقد جاءت مواقف مسعود بارزاني بمثابة شروط مسبقة للدخول في أي تسوية سياسية مقبلة، خصوصاً ما يتعلق بقانون النفط والغاز والمادة 140 الخاصة بالمناطق المتنازع عليها. ويبدو أن تراجع قوة الحزب الديمقراطي الكردستاني من 34 إلى 27 مقعداً يدفعه إلى تأمين مكاسب ثابتة قبل الانخراط في التحالفات.
في المقابل، يبدو الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة بافل طالباني في وضع أكثر راحة، مع إمكانية تجديد تحالفه التاريخي مع الإطار وتقديم مرشحه لرئاسة الجمهورية. كما أن بارزاني لن يكون قادراً على التحكم بأصوات كوتا الأقليات التي اتجهت بغالبيتها نحو ريان الكلداني المتحالف مع الإطار.
إقرأ أيضاً: عراق ما بعد السّوداني
في المحصلة، يبدو أن القوى العراقية تتحرك بسرعة لإغلاق ملفات الرئاسات الثلاث وتشكيل حكومة جديدة قبل أي تطورات إقليمية أو دولية قد تؤثر على المسار السياسي. والإطار التنسيقي، بما يملكه من قدرة عددية وتحالفات مرنة، يسعى بوضوح إلى الإمساك بمفاصل الدولة في المرحلة المقبلة.
