السّعوديّة تربح حرب غزّة… سياسيّاً!

مدة القراءة 6 د

ربحت إسرائيل حرب غزّة والحروب المتفرّعة عنها عسكريّاً، لكنّها خسرتها سياسيّاً. أبرز الرابحين، سياسيّاً، من وقف الحرب، وإن لم تقف كلّيّاً بعد، المملكة العربيّة السعوديّة التي التقى وليّ العهد فيها الأمير محمّد بن سلمان الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض.

 

 

جاءت زيارة محمّد بن سلمان لواشنطن لتكرّس الواقع الجديد في المنطقة، واقع أهمّيّة المملكة العربيّة السعوديّة التي لم يعُد في استطاعة الولايات المتّحدة تجاهلها. لا يتعلّق الأمر بقبول إدارة ترامب بيع المملكة طائرات “إف – 35” المتطوّرة فحسب، بل يتجاوز الأمر ذلك بكثير أيضاً. يتعلّق الأمر بالثقل السياسيّ للمملكة الذي عكسه صدور القرار الأخير عن مجلس الأمن التابع للأمم المتّحدة الذي وردت فيه عبارتا “حقّ تقرير المصير” للفلسطينيّين والعمل من أجل قيام “دولة” مستقلّة لهم في حال توافر شروط معيّنة.

ربحت إسرائيل حرب غزّة والحروب المتفرّعة عنها عسكريّاً، لكنّها خسرتها سياسيّاً

وسيطٌ موثوق؟

لم يكن ورود هاتين العبارتين في قرار مجلس الأمن صدفة. عكس ذلك مدى الثقل السعوديّ ورغبة أميركيّة في إظهار امتلاك الإدارة لسياسة لا تتطابق كلّيّاً مع تلك التي ينتهجها بنيامين نتنياهو واليمين الإسرائيليّ عموماً. كان الإتيان على ذكر حقّ تقرير المصير ومجرّد التلميح إلى احتمال قيام دولة فلسطينيّة من المحرّمات. استطاعت المملكة العربيّة السعوديّة، بفضل الدبلوماسيّة الناعمة، كسر ما يمكن اعتباره مسلّمات تمسّكت بها إدارتا ترامب الأولى والثانية.

فرضت السعوديّة نفسها كلاعب إقليميّ من الطراز الأوّل، خصوصاً في ضوء التراجع الإيرانيّ على كلّ صعيد، وهو تراجع أكّدته أمور عدّة من بينها خروج “الجمهوريّة الإسلاميّة”، بأدواتها، من سوريا نهائيّاً وانتقال الحرب مع أميركا وإسرائيل إلى الداخل الإيرانيّ.

صار على “الجمهوريّة الإسلاميّة” الدفاع عن نظامها داخل حدودها ابتداء من حزيران الماضي. استبق محمّد بن سلمان الأحداث عندما وقّعت السعوديّة في آذار 2023، برعاية صينيّة، اتّفاقاً مع إيران سمح بعودة العلاقات الدبلوماسيّة المقطوعة بين الرياض وطهران. ليس صدفة أنّ مبعوثاً للرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان زار الرياض عشيّة سفر وليّ العهد السعوديّ وسلّم وزير الداخليّة السعوديّ الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف رسالة من بزشكيان إلى محمّد بن سلمان. يشير ذلك إلى أنّ السعوديّة باتت وسيطاً موثوقاً به عند الإيرانيّين الساعين إلى صفقة ما مع إدارة ترامب. أكثر من ذلك، تشير الخطوة الإيرانيّة إلى قناعة بأنّ السعوديّة تسعى إلى تفادي أيّ تصعيد بين الولايات المتّحدة وطهران.

قبْلَ الأمير محمّد بن سلمان، زار الرئيس السوريّ أحمد الشرع البيت الأبيض. لم تكن السعوديّة التي استضافت اللقاء الأوّل بين ترامب والشرع في أيّار الماضي، بعيدةً عن التفاصيل الدقيقة للاجتماع الأخير الذي انعقد في البيت الأبيض بين الرئيسين الأميركيّ والسوريّ.

تبدو زيارة محمّد بن سلمان لواشنطن والحفاوة التي لقيها وطبيعة الاتّفاقات التي وقّعها مناسبةً للكلام عن الغياب اللبنانيّ عن الأحداث ذات الطابع المصيريّ التي تشهدها المنطقة. لا يدلّ على الغياب اللبنانيّ عن الأحداث العالميّة أكثر من إلغاء الجانب الأميركيّ للزيارة التي كان مقرّراً أن يقوم بها لواشنطن قائد الجيش العماد رودولف هيكل.

جاءت زيارة محمّد بن سلمان لواشنطن لتكرّس الواقع الجديد في المنطقة، واقع أهمّيّة المملكة العربيّة السعوديّة التي لم يعُد في استطاعة الولايات المتّحدة تجاهلها

لا يمكن المرور مرور الكرام على هذا التطوّر البالغ الخطورة الذي يُعتبر الأوّل من نوعه في مجال العلاقات الأميركيّة – اللبنانيّة. يعبّر إلغاء زيارة قائد الجيش اللبناني لواشنطن، وما رافقها من تصريحات صادرة عن أعضاء في الكونغرس، عن مدى الاستياء الأميركيّ من بلد صغير يرفض التعلّم من تجارب الماضي من جهة، ويرفض التخلّي عن لغة خشبيّة لا تقدّم ولا تؤخّر من جهة أخرى. إذا استثنينا رئيس مجلس الوزراء نوّاف سلام، لا وجود في قيادة الدولة من يعرف ما يدور في المنطقة والعالم.

لبنان عاجز عن الفهم

في الوقت الذي كان فيه محمّد بن سلمان في واشنطن، كان وفد سعوديّ اقتصادي في بيروت. جاء الوفد في مهمّة محدّدة تستهدف التأكيد أنّ السعوديّة راضية عن الجهود اللبنانيّة الهادفة إلى وقف تهريب المخدّرات إلى المملكة بوسائل مختلفة. عمليّاً، جاء الوفد لشرح أنّ السعوديّة تتعاطى مع لبنان بالقطعة، وأنّ كلّ عمل جيّد سيقابَل بنوع من الإيجابيّة، لكنّ المطلوب في نهاية المطاف أن يحسم لبنان أمره وأن يقرّر ما الذي يريده.

الأهمّ من ذلك كلّه يبدو أنّ على كلّ المسؤولين اللبنانيّين، من أكبرهم إلى أصغرهم، فهْم أنّ التذاكي لا ينفع وأنّ لبنان عاجز عن تنفيذ القرار 1701 وأنّ الولد الصغير يعرف ذلك. يستند القرار، الصادر صيف عام 2006، إلى القرارات السابقة المتعلّقة بلبنان، بما في ذلك القراران 1559 و1680… واتّفاق الطائف. يؤكّد اتّفاق الطائف “بسط سيادة الدولة اللبنانيّة على جميع أراضيها بقواها الذاتيّة حصراً”، مع ما يعنيه ذلك من استغناء عن كذبة كبيرة اسمها “المقاومة”. لا تفريق في القرار بين شمال الليطاني وجنوبه. إنّه قرار يتعلّق بكلّ الأراضي اللبنانيّة.

إقرأ أيضاً: محمد بن سلمان فوق البروتوكول في البيت الأبيض

المفارقة أنّ محمّد بن سلمان ذهب إلى واشنطن وأنّ إيران نفسها تريد الاستفادة من تلك الزيارة، لعلّ السعوديّة تساعد في إعادة فتح القنوات بين “الشيطان الأكبر” و”الجمهوريّة الإسلاميّة”. أمّا لبنان، فإنّه غارق في وهم الشعارات وفي وهم مؤتمر استثماريّ لن يأخذه إلى أيّ مكان ما دام “الحزب” يتمسّك بسلاحه.

تفهم إيران معنى زيارة وليّ العهد السعوديّ لأميركا وتفهم أنّ المملكة باتت لها مكانة خاصّة في واشنطن… وهي مكانة تاريخيّة أصلاً.

يصرّ لبنان على أن يكون رهينة إيرانيّة بدل أن تكون لديه رسالة واضحة كان يؤمل أن ينقلها محمّد بن سلمان إلى ترامب. مرّة أخرى، إنّه بلد عاجز عن فهم موازين القوى وماذا تعنيه، وعن استيعاب أنّ مصر، على سبيل المثال، ما كانت لتستعيد سيناء يوماً لو ربطت التفاوض مع إسرائيل بالانسحاب من أراضيها المحتلّة!

مواضيع ذات صلة

من البيجرز إلى مادورو: لماذا يرتجف المرشد؟

استيقظت طهران صباح السبت لتكتشف أنّ إمبراطوريّة “العمق الاستراتيجيّ” التي بناها الحرس الثوريّ عبر خمس مناطق زمنيّة، من المقرّات الخاصّة في بيروت إلى القصر الرئاسيّ…

“غزوة كراكاس”: عالم بلا خطوط حمر؟

في عتمة الليل فوق كراكاس، تسلّلت وحدات كوماندوس أميركيّة نخبويّة إلى قصر الرئيس الفنزويلّيّ لتخرج بعد ساعات بالغنيمة القصوى: نيكولاس مادورو، الرجل القويّ في فنزويلّا…

تقسيم المقسَّم من السّودان إلى اليمن

يدخل العالم العربيّ من المحيط الأطلسيّ إلى الخليج العربيّ مرحلة جديدة من مراحل عمليّة “تقسيم المقسَّم وتجزئة المُجزَّأ”. هناك ثلاث دول عربيّة تخضع في الوقت…

تفكيك اليمن… مقامرة انتحاريّة؟

وسط انهيار التوازنات في الإقليم وتسارع مشاريع التفكيك، لم يعد العبث بوحدة الدول احتمالاً نظريّاً أو ورقة ضغط تفاوضيّة، بل بات فعلاً سياسيّاً مكتمل الأركان….