في ظلّ التحوّلات المتسارعة في الإقليم، تزداد قناعة العواصم بأنّ سوريا استعادت موقعها كلاعب لا يمكن تجاوز دوره أو القفز فوق تأثيره. ومن ضمن الوفود التي قصدت دمشق في هذا السياق، بعد محطّتها في بيروت، مستشارة الرئيس الفرنسيّ آن كلير لو جاندر التي اتّجهت إلى دمشق.
التقت لو جاندر الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجيّة أسعد الشيباني، إضافة إلى وزيرة الشؤون الاجتماعيّة والعمل هند قبوات، وعقدت لقاءات مع هيئات من المجتمع المدنيّ السوريّ.
علم “أساس” أنّ زيارة مستشارة ماكرون لدمشق بعد بيروت أخذت عدّة أبعاد، كلّ طابع يعكس بعداً مهمّاً من الملفّات السوريّة–اللبنانيّة والإقليميّة. فما الرسائل التي حملتها؟
في ظلّ التحوّلات المتسارعة في الإقليم، تزداد قناعة العواصم بأنّ سوريا استعادت موقعها كلاعب لا يمكن تجاوز دوره أو القفز فوق تأثيره
أوّلاً: التّرابط اللّبنانيّ–السّوريّ
لبنان وسوريا مترابطان بشكل وثيق، وإذا لم يكن هناك هدوء واستقرار في سوريا، فلن يكون هناك استقرار في لبنان، والعكس صحيح. يظهر هذا الطابع جليّاً من خلال دعم فرنسا “قيام أفضل العلاقات بين لبنان وسوريا على أساس الاحترام المتبادل للسيادة، والسعي إلى لعب دور الوساطة وتقريب وجهات النظر تمهيداً لعقد اجتماع ثنائيّ برعاية الأمم المتّحدة”. تؤكّد زيارة لو جاندر أنّ باريس تعتبر الاستقرار السوريّ شرطاً أساسيّاً لأيّ انفراج في لبنان، وهو ما يعطي الأهميّة لهذه المحطّة بعد بيروت ويضعها في إطار استراتيجيّ أوسع.
ثانياً: موضوع الحدود البرّيّة
بحسب مصدر فرنسيّ، الموضوع شائك جدّاً، ويشكّل أحد أبرز ملفّات الخلاف التاريخيّ بين لبنان وسوريا. حملت لو جاندر في جعبتها خرائط للحدود تعود إلى فترة الانتداب الفرنسيّ، وهو ما يشير إلى جدّية باريس في دراسة هذا الملفّ التاريخيّ بعناية، ومحاولة تقديم مقاربة عادلة تسهم في الحدّ من التوتّرات المستقبليّة. يربط هذا الطابعُ الزيارةَ بسياق تاريخيّ وسياسيّ مهمّ، ويعكس اهتمام فرنسا بدور الوسيط الموثوق بين الطرفين.
حملت لو جاندر في جعبتها خرائط للحدود تعود إلى فترة الانتداب الفرنسيّ، وهو ما يشير إلى جدّية باريس في دراسة هذا الملفّ التاريخيّ بعناية
ثالثاً: موضوع الأقلّيّات في سوريا
تعمل فرنسا على موضوع الأقليّات في سوريا من الدروز والعلويّين والمسيحيّين والأكراد، باعتبار أنّ حماية هذه المكوّنات المجتمعيّة جزء من الاستقرار الداخليّ في سوريا. تربط باريسَ بالأكراد علاقةٌ جيّدة جدّاً، وهو ما يمنحها قدرة على التفاوض في القضايا الحسّاسة، وخصوصاً أنّ الأكراد يحتجزون فرنسيّين مع عائلاتهم ينتمون إلى تنظيم داعش. يعكس هذا الطابع بعداً إنسانيّاً وأمنيّاً مهمّاً للزيارة، ويضيف بعداً دوليّاً لأهميّة التواصل المباشر مع دمشق في ملفّات حسّاسة جدّاً.
بحسب معلومات “أساس” بدأ يظهر تنسيق أمنيّ بين فرنسا ودمشق منذ أسابيع، وتحديداً عندما داهمت قوّات الأمن العامّ السوريّة ما يُسمّى معسكر الفرنسيّين في شمال غرب سوريا لأخذ عدّة أشخاص للتحقيق معهم بشأن قضايا أمنيّة مرتبطة بفرنسا. وقد تجاوب الأمن العامّ السوريّ مع المطلب الفرنسيّ، وهكذا بدأ التنسيق الفعليّ بين الطرفين. وبالتالي، تنمو العلاقات الدبلوماسيّة بين باريس ودمشق أكثر فأكثر، وهو ما يعكس تحوّلاً ملموساً في الثقة والتعاون بين الجانبين.
إقرأ أيضاً: متى تستقر سورية في مواجهة المخاطر الكبرى؟
تضيف المعلومات أنّ الإدارة السوريّة أبدت موقفاً إيجابيّاً تجاه الحلحلة في الملفّات التي طُرحت خلال الزيارة، مع تأكيد عدم تجاهل الملفّات الشائكة بين البلدين التي لم تُحلّ بعد، من بينها ملف المساجين السوريّين في رومية. يعكس هذا الموقف حرص دمشق على معالجة القضايا الحسّاسة بطريقة دبلوماسيّة دقيقة، بهدف تعزيز الثقة بين الطرفين وتهيئة الأجواء لمزيد من التعاون مستقبلاً.
يُذكر أنّ الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون استقبل الرئيس أحمد الشرع في قصر الإليزيه في أيّار الماضي، في أوّل زيارة للشرع لأوروبا، وهو ما يعكس انفتاح فرنسا على دمشق ورغبتها في تعزيز التواصل المباشر مع القيادة السوريّة.
لمتابعة الكاتب على X:
