يسهل استنتاج التحوُّل الذي طرأ على الإدارة في الولايات المتّحدة لفرض قرار واشنطن على قرار تل أبيب. ولطالما استعر جدل الباحثين خلال العقود المنصرمة بشأن ما إذا كانت إسرائيل تسيطر من خلال لوبياتها على سياسة الولايات المتّحدة في الشرق الأوسط؟ أم ليست، مهما أوهمتنا الأعراض والواجهات، سوى أداة من أدوات تلك السياسة وتخضع لها؟
تستند المقاربة الأميركيّة الحاليّة إلى تراكم لدى الدولة العميقة في الولايات المتّحدة في علاقة واشنطن مع إسرائيل، من خلال إدارات متعاقبة، وعبر مراحل مفصليّة شهدها الشرق الأوسط، وسواء في التعامل مع الحروب بين العرب وإسرائيل، أم في التسويات المتعدّدة المستويات (“كامب دايفيد” و”وادي عربة”) وصولاً إلى “الإبراهيميّة” منها، مثّلت الولايات المتّحدة مصالح إسرائيل فقط واتّسقت تماماً مع أجندتها في اجتراح إطلالاتها على الشرق الأوسط.
لا يبدو الأمر كذلك هذه الأيّام. ما تزال إسرائيل رقماً أساسيّاً في سياسات واشنطن، وما يزال دعمها واجباً دينيّاً عقائديّاً للإنجيليّين الأميركيّين الذين يشكّلون فضاءً انتخابيّاً واسعاً للحزب الجمهوريّ والرئيس دونالد ترامب. لكنّ شيئاً جديداً قد تغيّر.
ما تزال إسرائيل رقماً أساسيّاً في سياسات واشنطن، وما يزال دعمها واجباً دينيّاً عقائديّاً للإنجيليّين الأميركيّين الذين يشكّلون فضاءً انتخابيّاً واسعاً للحزب الجمهوريّ
واشنطن ترى بعيون أخرى
الأرجح أنّ ذلك الانحياز المفرط والجلِف الذي ظهر في ولاية ترامب الأولى، والذي تمثّل في الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركيّة إليها (2017)، وفي الاعتراف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان (2019)، هو نفسه وراء “المونة” الثقيلة التي يفرضها ترامب وفريقه على حكومة بنيامين نتنياهو. فالرجل الذي فاجأ نتنياهو في واشنطن في شباط الماضي بخطّة للاستيلاء على غزّة وتحويلها إلى “ريفييرا” شرق المتوسّط، هو نفسه الذي فاجأه من جديد في أيلول الماضي وفرض عليه خطّة من 20 نقطة لإنهاء الحرب هناك وعدم العودة إليها مجدّداً.
في ولاية ترامب الأولى لعب مستشار ترامب وصهره اليهوديّ المناصر لإسرائيل، جاريد كوشنر، دوراً فاعلاً في تقديم خدمات لنتنياهو عبر اقتراح “صفقة القرن” التي كشفت خرائطها خطوطاً لتفتيت الأراضي الفلسطينيّة وجعل احتمال قيام دولة فلسطينيّة مستحيلاً. بالمقابل، كوشنر نفسه، ومبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وهو أيضاً يهوديّ محبّ لإسرائيل، هما هذه الأيّام رأس حربة لقوّة ضاربة في إدارة هدفها ممارسة أقصى الضغوط على إسرائيل وتمرير رؤى ونصوص، نادرة أميركيّاً، تتحدّث عن مسارات وشروط قيام دولة فلسطينيّة (في مشروع قرار أمميّ قُدِّم الإثنين الماضي) بصيغ أثارت غضباً جماعيّاً مُهندَساً لوزراء حكومة إسرائيل بإيعاز مبطّن من رئيسها.
ما تغيّر هو أنّ واشنطن لم تعُد ترى الشرق الأوسط بعين إسرائيليّة، وإن كانت لا تزال لتلك العين أولويّة في الرؤى. فترامب لم يطلق خطّة غزّة في 29 أيلول الماضي إلّا بعدما نال “البركة” في اجتماعه قبل يومين فقط مع دول في المنطقة لم تكن إسرائيل جزءاً منه. حضر الاجتماع في نيويورك، على هامش أعمال القمّة السنويّة للأمم المتّحدة، قادة وممثّلو السعوديّة وتركيا ومصر والأردن والإمارات وقطر وباكستان وإندونيسيا. بدا واضحاً أنّه بات على الرئيس الأميركيّ أن يستقوي بالحلفاء الثمانية في المنطقة لكي تفهم إسرائيل أنّ مزاج واشنطن، وترامب بالذات، قد تبدّل. وهو أمر تمّ فهمه في إسرائيل إلى درجة الانحناء والقبول بالخطّة أملاً في تعديل ذلك المزاج.
تبدو تحوّلات واشنطن ومناوراتها أكثر بروزاً في التعامل مع حالتَي سوريا ولبنان من حيث إنّ واشنطن هي من تقرّر متى تفرض أجندتها ومتى تسمح لإسرائيل بتمرير سياساتها
لبنان تحت رحمة نتنياهو وحكومته؟
لا تحبّ إسرائيل الأمم المتّحدة ولا تحترم قراراتها. بالمقابل، الولايات المتّحدة التي أفرطت في استخدام الفيتو لإجهاض أيّ مشروع قرار لا يناسب إسرائيل هي نفسها التي تلجأ إلى مجلس الأمن لتمرير مشروع لا يناسب إسرائيل. تقبل الأخيرة على مضض بقوّات متعدّدة الجنسيّات في غزّة. وإن تحاول وضع فيتو على بعض الدول المشاركة فيها (تركيا مثلاً)، تريدها بكلّ الأحوال ضاربة تحت الفصل السابع، فيما تريد واشنطن، خضوعاً لمشيئة السعوديّة والدول الإسلاميّة والعربيّة التي حضرت اجتماع نيويورك، أن تكون تلك القوّات ذات مهامّ حفظ سلام غير قتاليّة وفق الفصل السادس. لكنّ الأخطر في “انحرافات” واشنطن تكرارها في مشروع القرار لـ”محرَّم” إنشاء دولة فلسطينيّة.
بدا أنّ نتنياهو استنجد السبت في اتّصال هاتفيّ بالرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين لعلّ مصالح البلدين تتقاطع لإجهاض النصّ الأميركيّ. تحدّث بيان الكرملين عن “مناقشة بالتفصيل لقضايا الشرق الأوسط”. لروسيا مشروع مضادّ يتمسّك بمرجعيّة الأمم المتّحدة وليس مجلس السِّلم للقوّات المتعدّدة الجنسيّات الذي يرأسه ترامب. لا يهتمّ نتنياهو بإشراك روسيا في قضايا كانت إسرائيل تتمسّك بأن تكون حكراً على الولايات المتّحدة. ما يرمي إليه هو السعي إلى كبح جماح أميركيّ ضاغط بأدوات غير إسرائيليّة. وتفضح تلك المناورة معاندةً تبدو يائسة لعقارب الساعة المستجدّة في سياسة واشنطن.
إقرأ أيضاً: الشرع- ترامب: ماذا دار في “الاجتماع السّرّيّ”؟
تبدو تحوّلات واشنطن ومناوراتها أكثر بروزاً في التعامل مع حالتَي سوريا ولبنان من حيث إنّ واشنطن هي من تقرّر متى تفرض أجندتها ومتى تسمح لإسرائيل بتمرير سياساتها. المفارقة أنّ الولايات المتّحدة تستخدم نفوذاً واسعاً لدعم دمشق وتدبير اتّفاق سوريّ–إسرائيليّ تفرضه ضغوط أميركيّة، فيما بالمقابل تغضّ الطرف حتى الآن عن سلوك إسرائيل وخططها في لبنان، تاركةً للسياسة الإسرائيليّة وصيحات وزراء حكومة نتنياهو أن تكون جزءاً من سياسات واشنطن الضاغطة على بيروت قبل أن ينضج التوقيت الصحيح لفرض إدارة ترامب على إسرائيل تسوياتها اللبنانيّة.
لمتابعة الكاتب على X:
