يبدأ وليّ العهد السّعوديّ الأمير محمّد بن سلمان زيارة رسميّة للولايات المُتّحدة الأميركيّة تلبيةً لدعوة الرّئيس دونالد ترامب. لكنّ هذه الزّيارة ليسَت زيارة عاديّة على الإطلاق، بل هي استثنائيّة في الشّكل والمضمون والظّروف التي تجري فيها.
استطاع وليّ العهد السّعوديّ أن يعيدَ نسجَ العلاقة بين المملكة والولايات المُتّحدة، ونقلها من علاقة كانَ عنوانها “النّفط مقابل الحماية” إلى الشّراكة الاستراتيجيّة المُتكاملة بين الرّياض وواشنطن.
تعامل محمّد بن سلمان بحنكة سياسيّة أدّت إلى الوصول إلى العنوان الجديد للعلاقة التّاريخيّة. أدرَكَ وليّ العهد السّعوديّ أنّ أميركا بحاجةٍ إلى شراكة استراتيجيّة مع بلاده، فاعتمدَ استراتيجية طوال السّنين الماضية جعلت واشنطن تُدركُ حاجتها إلى هذه الشّراكة وتُقدّم للمملكة ما لم تكن بوارد تقديمه لأيّ دولةٍ عربيّة في السّابق.
كان آخر فصول الجهود السّعوديّة الرّسالة الخطّيّة التي بعثها مسعود بزشكيان إلى محمّد بن سلمان قبل ساعاتٍ قليلة من مغادرته الرّياض نحوَ العاصمة الأميركيّة
استراتيجية بن سلمان
اقتنصَ محمّد بن سلمان لحظات التّحوّل الكبرى التي مرّ بها العالم منذ 2017 وصولاً إلى اليوم. هندَسَ أسُس العلاقة السّعوديّة – الأميركيّة، وأعادَ صياغة موقع بلاده داخل المُعادلة الأميركيّة نفسها.
هُنا يجدر التوقّف عند 4 محطّات أساسيّة هندَسَ خلالها محمّد بن سلمان الشّراكة السّعوديّة – الأميركيّة عبر استراتيجية استغلال “لحظات التّحوّل”:
- عملَ الأمير محمّد بن سلمان على نسجِ علاقات وشراكات تجاريّة واستراتيجيّة مع الصّين وروسيا. وذلكَ انطلاقاً من تنويع الشّراكات الدّوليّة بعد العدوان الحوثيّ على منشآت آرامكو في 2019.
لم تكُن الاستجابة الأميركيّة يومذاك على قدرِ العنوان القديم للعلاقة مع المملكة. من هنا كانَ المُنطلق لإرسال إشارات سياسيّة إلى عاصمة القرار أنّ الرّياض لن تعتمدَ بعدَ اليوم مبدأ الشّراكة نفسه مع واشنطن، وأنّ لديها خياراتٍ بديلة على السّاحة الدّوليّة.
كانَ اتّفاقُ بكّين في آذار 2023 الذي استأنفَ العلاقات السّعوديّة – الإيرانيّة جزءاً من استراتيجية محمّد بن سلمان في العلاقة مع واشنطن
كان دخول موسكو وبكّين على خطّ الشّراكة مع الرّياض دافعاً للولايات المُتّحدة في عهدِ الرّئيس السّابق جو بايدن إلى البدءِ بصياغة اتّفاقات دفاعٍ مُشترك وتعاونٍ نوويّ وتجاريّ أوسع مع المملكة، ينقل العلاقة إلى مستوىً جديد سيُعلَن أثناء زيارة وليّ العهد لواشنطن.
هذا ولعبَت العلاقات التي نسجها محمّد بن سلمان مع الرّئيس الرّوسيّ فلاديمير بوتين الدّور الأبرز والأساسيّ في اللقاءات التي جمَعت وزيرَيْ خارجيّة أميركا ماركو روبيو وروسيا سيرغي لافروف في الرّياض لبحثِ الأزمة الأوكرانيّة، والتي أدّت في نهاية المطاف إلى اللقاء الذي جمع ترامب وبوتين في ولاية آلاسكا الأميركيّة منتصف شهر آب الماضي.
- كانَ اتّفاقُ بكّين في آذار 2023 الذي استأنفَ العلاقات السّعوديّة – الإيرانيّة جزءاً من استراتيجية محمّد بن سلمان في العلاقة مع واشنطن. إذ باتت المملكة اليوم تعملُ على خفض التصعيد بين أميركا وإيران. وهذا ما عملَ عليه وزير الدّفاع الأمير خالد بن سلمان بتوجيهٍ من القيادة السّعوديّة حين زارَ طهران في نيسان الماضي والتقى المرشد علي خامنئي والرئيس مسعود بزشكيان، ثمّ زار واشنطن بعد الجولة القتاليّة بين إيران وإسرائيل أواخر حزيران الماضي والتقى الرّئيس ترامب وبحثَ معه إمكان استئناف التفاوض الأميركيّ – الإيرانيّ. تُضاف إلى ذلكَ الزّيارة التي قامَ بها الأمين العام لمجلس الأمن القوميّ الإيرانيّ علي لاريجاني للرّياض ولقاؤه وليّ العهد ووزير الدّفاع.
كان آخر فصول الجهود السّعوديّة الرّسالة الخطّيّة التي بعثها مسعود بزشكيان إلى محمّد بن سلمان قبل ساعاتٍ قليلة من مغادرته الرّياض نحوَ العاصمة الأميركيّة.
إلى ذلك يُمكن قراءة اتّفاق بكّين أنّه إعلانٌ أنّ أمن منطقة الخليج العربيّ لم يعد امتيازاً حصريّاً للولايات المُتّحدة. إذ إنّ إطار الاتّفاقِ كانَ في الصّين ومنحَ السّعوديّة هامشاً أوسع للتحرّك في الملفّات.
يدخلُ محمّد بن سلمان البيت الأبيض وفي جعبتهِ أوراق الرّبح التي تجعل من واشنطن طرفاً مُضطرّاً إلى التفاهم مع المملكة وضمان مصالحها
أوراقٌ رابحة
- عملَت المملكة داخل منظّمتَيْ “أوبك” و”أوبك بلاس” على خفضِ إنتاجها النّفطيّ في لحظةٍ كانَت الولايات المتّحدة تواجه تضخّماً في الاقتصادِ بسبب آثار جائحة كورونا وإغلاق الأسواق العالميّة والسّوق الأميركيّة وارتفاع معدّلات البطالة.
إن كانَ عنوان الخطوة السّعوديّة الظّاهر هو ضبطُ أسعار الأسواق، فما خفيَ في العمقَ كانَ أوضح. كانت الرّسالة السّعوديّة واضحة: “المملكة ركيزة في الاقتصاد العالميّ، وإغفال واشنطن للمصالح السّعوديّة سيكون له ثمنٌ مباشر داخل الولايات المُتّحدة، وبرميل النّفط السّعوديّ لم يعُد سلعة تجاريّة وحسب، بل ورقة تفاوضٍ لتعزيز مصالح السّعوديّة”.
- كان اتّفاق الدّفاع المُشترك مع باكستان آخر فصولِ الاستراتيجية السّعوديّة. تُعتبر باكستان من أبرز الشّركاء الاستراتيجيّين للصّين ودولةً إسلاميّة تمتلك أكثر من 200 رأس نوويّ نصّ الاتّفاق بين الرّياض وإسلام آباد على إمكان استعمالها للدفاع عن المملكة تحت عنوان “كلّ السّبل المُتاحة”.
إقرأ أيضاً: المواجهة الإيرانيّة – الإسرائيليّة الثّانية… على الأبواب؟
كانَ الاتّفاق تعبيراً واضحاً عن اهتزاز الثّقة الخليجيّة بالضّمانات الأميركيّة، وأنّ الرّياض تستطيع أن تنسجَ مصالحها الأمنيّة والعسكريّة بعيداً عن المظلّة الأميركيّة متى دعت الحاجة إلى ذلكَ.
يدخلُ محمّد بن سلمان البيت الأبيض وفي جعبتهِ أوراق الرّبح التي تجعل من واشنطن طرفاً مُضطرّاً إلى التفاهم مع المملكة وضمان مصالحها، أوراق شراكاتٍ متنوّعة في النّفط والأمن الإقليميّ، وفوق كلّ ذلكَ ورقة الدّولة الفلسطينيّة والخرق الاستثنائيّ الذي حقّقته السّعوديّة الاعترافات الغربيّة بدولة فلسطين.
لمتابعة الكاتب على X:
