الـMAGA تتسرّب من قبضة ترامب: تمرّد جمهوري؟

مدة القراءة 5 د

بعد أقلّ من عشرة أشهر فقط على بداية الولاية الثانية لدونالد ترامب، تبدو الحركة السياسيّة التي أعادته إلى البيت الأبيض في حالة توتّرٍ متصاعد. فحركة MAGA، التي طالما قُدّمت كقوّةٍ شعبويّةٍ متماسكة، باتت اليوم أقرب إلى ائتلافٍ تتجاذبه الخلافات من الداخل، من ملفّ الهجرة إلى التعرفة الجمركيّة، مروراً بالسياسة الخارجيّة ودرجة الانضباط داخل الحزب الجمهوريّ. وفي واشنطن، يزداد سؤالٌ ثقيل الحضور: هل يفقد ترامب السيطرة على الحركة التي صنعها؟ وهل يتّجه نحو وضع “البطّة العرجاء” مبكراً؟

 

 

لا يزال كثيرون يستحضرون مقولة ترامب الشهيرة خلال حملته الأولى عام 2016: “يمكنني أن أُطلق النار على شخصٍ في الجادّة الخامسة ولن أفقد مؤيّداً واحداً”. كانت العبارة تختصر في حينها مدى التماهي بين ترامب وقاعدته، وقدرته الفريدة على النجاة من الأزمات السياسيّة. لكنّ الأحداث الأخيرة، من الخلاف على تأشيرات الـ”H-1B” إلى الانقسام على الرسوم الجمركيّة، وصولاً إلى تململ النوّاب الجمهوريّين في قضيّة ملفّات “جيفري إبستين”، تطرح سؤالاً جديداً: أما يزال هذا الادّعاء صحيحاً اليوم؟

تبدو الإجابة أقلّ وضوحاً ممّا كانت عليه قبل سنوات. فالحركة التي كانت تتبعه بلا تردّد بدأت تُظهر مؤشّرات انشقاق، والولاء الذي كان يُعتبر غير قابلٍ للكسر بدأ يخضع لاختباراتٍ صعبة.

بعد أقلّ من عشرة أشهر فقط على بداية الولاية الثانية لدونالد ترامب، تبدو الحركة السياسيّة التي أعادته إلى البيت الأبيض في حالة توتّرٍ متصاعد.

خلافٌ يزعزع الثّقة

بدأ التوتّر الأكبر حين تبنّى ترامب موقفاً داعماً لتأشيرات الـ”H-1B”، في تراجعٍ واضح عن وعوده السابقة. بالنسبة للقوميّين الاقتصاديّين، شكّل ذلك طعناً لمبدأ “أميركا أوّلاً”، وأطلق موجة انتقادات من شخصيّات بارزة في إعلام اليمين.

لم يعد الخلاف نقاشاً سياسيّاً وحسب، بل أصبح حدثاً زعزع ثقة جزءٍ من القاعدة بخطّ ترامب الاستراتيجيّ ووفائه بالوعود الانتخابيّة.

مثّلت الرسوم الجمركيّة إحدى أدوات قوّة ترامب، لكنّها هذا العام تحوّلت إلى عبءٍ سياسيّ. فالمزارعون وأصحاب المصانع الصغيرة يواجهون ارتفاعاً حادّاً في التكاليف، وهو ما ولّد استياءً تتناقله أروقة الكونغرس، إضافةً إلى ارتفاع أسعار السلع.

الرسوم التي كانت تُوحّد القاعدة أصبحت اليوم تنفّر منها شرائح أساسيّة داخلها.

إلى جانب ذلك، أحدثت مواقف ترامب المتغيّرة تجاه أوكرانيا والناتو والشرق الأوسط حالة ارتباك داخل الحركة:

  • الانعزاليّون يرون أنّه يتراجع عن نهجه الأوّل.
  • الصقور يتّهمونه بالتردّد.
  • الليبراليّون يشكون من غياب الشفافيّة.

برز التحوّل الأكثر حساسيّة هذا الشهر عندما ظهرت مؤشّرات إلى أنّ عدداً من النوّاب الجمهوريّين قد يصوّتون مع الديمقراطيّين للإفراج عن ملفّات جيفري إبستين. وما إن تسرّبت نيّة التمرّد، سارع ترامب إلى الدعوة إلى التصويت لمصلحة الإفراج، في خطوة أوحت بأنّه يحاول تجنّب هزيمة داخليّة.

للمرّة الأولى منذ عودته إلى البيت الأبيض بدا أنّ الجمهوريّين مستعدّون لتحدّيه، وأنّ طاعة الرئيس لم تعُد أمراً مسلَّماً به. وإذا كانت “عبارة الجادّة الخامسة” رمزاً لصلابة ولاء القاعدة، فإنّ لحظة إبستين كانت أوّل امتحانٍ جدّي يكشف أنّ هذه الصلابة لم تعُد كما كانت.

لم يعد الخلاف نقاشاً سياسيّاً وحسب، بل أصبح حدثاً زعزع ثقة جزءٍ من القاعدة بخطّ ترامب الاستراتيجيّ ووفائه بالوعود الانتخابيّة

تقلّص قبضة ترامب؟

توازياً، بدأ مشرّعون جمهوريّون مقرّبون من ترامب يبدون انزعاجاً من غياب الوضوح في التعيينات والإنفاق والقرارات القانونيّة. هؤلاء ليسوا من معارضيه، بل من داخل دائرته السياسيّة.

يعكس هذا الضغط من الصفوف المؤيّدة لترامب تحوُّلاً نوعيّاً مفاده أنّ الحركة لم تعُد تُقاد من مركزٍ واحد.

أظهرت انتخابات 2025 الخاصّة تراجعاً في أداء مرشّحي MAGA في دوائر كان يُفترض أن تكون مضمونة. لا يتعلّق الأمر بتغيّر في المزاج العامّ، بل بانخفاض الحماسة، وهو مؤشّر خطير لحركة تعتمد على التعبئة المكثّفة.

لا يزال ترامب يحتفظ بنفوذٍ مهمّ، لكنّ التطوّرات الأخيرة تشي بتراجعٍ تدريجيّ في قدرته على فرض الانضباط داخل حزبه وقيادة الحركة من دون مقاومة داخليّة.

كانت مقولته الشهيرة عن الجادّة الخامسة تعبيراً عن مرحلة من الولاء الأعمى. أمّا اليوم فالوضع أكثر تعقيداً: الولاء موجود، لكنّه لم يعُد غير مشروط. وهو ما يجعل سؤال “البطّة العرجاء” مطروحاً بقوّة، حتّى وإن لم يصل بعد إلى مرحلة الحسم.

يتوقّف مستقبل ولاية ترامب الثانية على قدرته على استعادة زمام المبادرة داخل حركة باتت أكثر تجزّؤاً من أيّ وقتٍ مضى. فالتصدّعات، من الـ”H-1B” إلى الرسوم الجمركيّة، ومن السياسة الخارجيّة إلى الانضباط الحزبيّ، تكشف أنّ قبضة ترامب لم تعد صلبة كما كانت قبل سنوات. لكنّ الحركة لا تزال قابلة للالتئام إن نجح في تحقيق إنجازات ملموسة وجمع القاعدة خلفه مجدّداً.

إقرأ أيضاً: “بوليتيكو”: اقتصاد ترامب سعوديّ التّوجّه؟

تاريخيّاً، حين تتراجع شعبيّة الرئيس وتتفاقم المشاكل الداخليّة وتتعاظم المعارضة، يتحوّل الرئيس إلى السياسة الخارجيّة حيث الصلاحيّات أوسع والقدرة على تحقيق إنجازات أكبر. وهذا ما حصل مع معظم الرؤساء، منذ أيّام ريتشارد نيكسون الذي توجّه إلى الصين، وبيل كلينتون الذي صرف وقتاً على عمليّة السلام بين الفلسطينيّين وإسرائيل.

إلى أن يحدث ذلك، يبقى السؤال مفتوحاً: أما يزال ترامب يستطيع “إطلاق النار في الجادّة الخامسة” دون خسارة مؤيّدين؟ تشير الوقائع اليوم إلى أنّ الإجابة هي: لم يعُد ذلك مضموناً.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mouafac

مواضيع ذات صلة

من يستدرج لبنان للعداء مع سوريا؟

تعاملت دول جوار سوريا مع تحوّلاتها بشكل متفاوت. لكنّها أجادت التموضع بدقّة ووضوح وثبات. بقي لبنان منذ ذلك الحدث قبل عام، منقسماً، متصدّعاً على المستوى…

الأزمة السّوريّة داخل السّجون اللّبنانيّة تتصاعد

بعد أسابيع على زيارة نائب رئيس الحكومة طارق متري لدمشق، ولقاء رئيس الحكومة نوّاف سلام بالرئيس السوريّ أحمد الشرع على هامش منتدى الدوحة، زار الأربعاء…

سيمون كرم يخلُف نعيم قاسم

لا يختلف اثنان على أنّ تعيين سيمون كرم، الدبلوماسيّ/المدنيّ، على رأس لجنة “الميكانيزم” المكلَّفة بالتفاوض مع إسرائيل، أوقف تدحرج “الحرب الشاملة” التي كانت إسرائيل تهدّد…

تكامل خليجيّ مُتصاعد… ورسائل وازنة لثلاثة جيران

لم تكن القمّة الخليجيّة الأخيرة عاديّة أو استثنائيّة. يُمكن القول إنّها بينهما، توقيتاً ومضموناً. تبني دول مجلس التعاون الستّ (السعوديّة والإمارات وقطر والكويت وعُمان والبحرين)…