لقاءات لوجاندر اللّبنانيّة: التّرسيم والميكانيزم

مدة القراءة 6 د

تأتي زيارة مستشارة الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون، آن كلير لوجاندر، لبيروت تعبيراً طبيعيّاً عن الحضور الفرنسيّ الدائم. زيارتها مكمّلة وغير متعارضة مع زيارات الموفد الرئاسيّ الفرنسيّ الخاصّ بالملفّ اللبنانيّ، جان إيف لودريان. إذ تصبّ مهمّتها في إطار دعم ما يقوم به لودريان لا الحلول مكانه. ماذا حملت الزيارة من مقاصد فعليّة؟

 

تمسك لوجاندر بزمام عدد من ملفّات الشرق الأوسط العربيّة والإفريقيّة. هي مستشارة الرئيس الفرنسيّ لشؤون الشرق الأوسط وإفريقيا، وتعرف المنطقة جيّداً، وتجيد العربيّة، وشغلت منصب سفيرة بلادها في الكويت. تشمل زيارتها مختلف قضايا الشرق الأوسط والفضاء العربيّ الذي تُعدّ بيروت إحدى ساحاته. ومن أبرز هذه الملفّات: ترسيم الحدود اللبنانيّة- السوريّة، اتّفاق وقف العمليّات العدائيّة والمفاوضات مع الكيان الإسرائيليّ.

تناولت التصريحات العلنيّة للزيارة العديد من الملفّات اللبنانيّة المطروحة. تعمل فرنسا على المساعدة في تذليلها وكسر حالة الجمود وإحراز تقدّم فيها، عبر دعم اتّفاق وقف العمليّات العدائيّة ودفعه تدريجاً نحو مرحلة الهدنة وما بعدها. تترجم ذلك في تشجيعها خيار التفاوض، بوصفه مدخلاً إلى استقرار سلميّ طويل الأمد، وفي دعم تعزيز آليّة مراقبة وقف إطلاق النار، مساندة الحكومة في قرار حصريّة السلاح، التحقّق من خطوات سحب السلاح غير الشرعيّ والعمل على ضمان الحدّ من الانتهاكات الإسرائيليّة المتكرّرة.

تمحورت لقاءات لوجاندر حول تحفيز ورشة الإصلاح الاقتصاديّ والماليّ والتشريعيّ، إلى جانب تركيز كبير على الملفّات السياسيّة والأمنيّة وكيفيّة تجنّب ارتفاع وتيرة التصعيد الإسرائيليّ المتواتر. انطوت الزيارة على ملفّين أساسيَّين:

تعمل الإدارة الفرنسيّة على الإشراف المباشر على ملفّ ترسيم الحدود اللبنانيّة – السوريّة، بالتنسيق الوثيق مع الإدارة الأميركيّة والمملكة العربيّة السعوديّة

أوّلاً: ملفّ ترسيم الحدود اللّبنانيّة – السّوريّة

تعمل الإدارة الفرنسيّة على الإشراف المباشر على ملفّ ترسيم الحدود اللبنانيّة – السوريّة، بالتنسيق الوثيق مع الإدارة الأميركيّة والمملكة العربيّة السعوديّة. تقدّم باريس أرشيفها التاريخيّ للمساهمة في تسهيل إنجاز هذا الملفّ، وتُبرز خرائطها القديمة التي تحظى بأهميّة قانونيّة وفنّية وتقنيّة وسياسيّة استثنائيّة. يستند هذا الملفّ إلى قاعدة تنفيذ القرارات الدوليّة، ولا سيما القرار 1680، وتحقيق الشروط الدستوريّة لسيادة الدولة، ضمن تفاهم دوليّ واسع.

أصبح هذا الملفّ متاحاً بصورة كبيرة عقب سقوط نظام الأسد، الذي كان يشكّل العائق الأكبر أمام الترسيم، واكتسب أولويّة إضافيّة لتقاطعه مع مسار المفاوضات اللبنانيّة مع الكيان الإسرائيليّ، وبالتالي الوصول إلى حلّ نهائيّ لمشكلات الحدود الجنوبيّة مع فلسطين المحتلّة. يساهم الترسيم في إسقاط ورقة استثمار مزارع شبعا بيد الطرفين، “الحزب” وإسرائيل، عبر منح بيروت وثيقة رسميّة واضحة بشأن هويّتها. وهو ما يوفّر زخماً لمطلب حصريّة السلاح وإنهاء الجناح العسكريّ لـ”الحزب” وبسط سلطة الدولة وسيادتها الدستوريّة الكاملة.

لوجاندر

يأتي التدخّل الفرنسيّ العميق في مرحلة توافرت فيها الظروف الجيوسياسيّة الملائمة: تغيّر نظامَي الحكم في لبنان وسوريا وانقلاب موازين القوى في المنطقة بعد حرب غزّة، وهو ما خلق بيئة دوليّة حاضنة للبحث في ترسيم الحدود.

تمسُّك فرنسا بمصلحة مباشرة في الإشراف على هذا الملفّ يضعها في موقع تفاوضيّ مهمّ مستقبلاً، تماماً كما تُمسك الولايات المتّحدة بملفّ ترسيم الحدود البحريّة والبرّيّة بين لبنان والكيان الإسرائيليّ. دفعت هذه المعطيات باريس إلى الإفراج عن أرشيف الخرائط العائد إلى فترة الانتداب الفرنسيّ، بما يعزّز دورها.

تأتي زيارة مستشارة الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون، آن كلير لوجاندر، لبيروت تعبيراً طبيعيّاً عن الحضور الفرنسيّ الدائم

ثانياً: ملفّ “الميكانيزم” والمفاوضات

تدعم فرنسا الرغبة اللبنانيّة في اعتماد “الميكانيزم” في مسار التفاوض، لكنّها في الوقت نفسه تبدي مخاوف من تكرار مشهد التصعيد الإسرائيليّ، من دون تمييز بين شمال وجنوب الليطاني. تريد الحفاظ على حدود لبنان الكبير، لكنّها تتوجّس من فقدان مساحات إضافيّة من الجنوب، مع تحوُّلها بحكم الأمر الواقع إلى مناطق ميتة وعازلة، فاقدة لحيويّتها الاجتماعيّة والاقتصاديّة.

تفاقم هذا القلق مع قيام إسرائيل بزرع خرسانات إسمنتيّة داخل الأراضي اللبنانيّة المحتلّة المتاخمة للخطّ الأزرق، مستفيدة، من وجهة النظر الفرنسيّة، من “النشوة الربحيّة” وتعنّت “الحزب” وتمسّكه بالسلاح واستمراره في تقديم قراءات غير دقيقة للاتّفاقات التي قبِل بها.

تخشى باريس أن يعيد “الحزب” إنتاج المشهد الذي تلا حرب تمّوز 2006 في تطبيق القرار 1701 عبر التمسّك بفكرة أنّ اتّفاق وقف العمليّات العدائيّة يسمح له بالاحتفاظ بسلاحه شمال الليطاني، وبالتالي تحويل هذه الجغرافيا، حتّى الحدود السوريّة، إلى “ملاذ جديد” بديل عن جنوب الليطاني، بما يصوّر بيروت وكأنّها تحت سيطرته الكاملة. ترى فرنسا أنّ هذا السيناريو خطير، ويجعل الدولة اللبنانيّة بكامل مؤسّساتها عرضة للاستهداف.

من هنا، تشدّد باريس على ضرورة التسريع بملف حصريّة سلاح “الحزب” بالكامل، باعتباره المدخل الإلزاميّ لأيّ مبادرة مدنيّة أو اقتصاديّة أو عسكريّة، وأيضاً للطاولة التفاوضيّة التي أعلنت السلطة التنفيذيّة اللبنانيّة الاستعداد للجلوس إليها. تفضّل الدول المعنيّة بالملفّ أن تأتي المفاوضات بعد تنفيذ اتّفاق وقف العمليّات العدائيّة وبعد حصريّة السلاح، وأن تجري مع دولة كاملة المواصفات بلا سلطات موازية سياسيّة أو عسكريّة.

تؤكّد الإدارة الفرنسيّة، عبر لوجاندر، دعمها لأيّ رغبة لبنانيّة في التفاوض، وتذكّر بأنّ باريس لعبت دائماً دوراً محوريّاً في كلّ الاتّفاقات المرتبطة بلبنان، وأنّها “حاملة القلم” الأمميّة في هذا الملفّ، وتعلن جهوزيّتها لتكون الوسيط الداعم لأيّ اتّفاق يرسّخ الاستقرار في لبنان وعلى حدوده، بالتعاون مع شركائها الدوليّين، وخاصّة الولايات المتّحدة والسعوديّة.

تمحورت لقاءات لوجاندر حول تحفيز ورشة الإصلاح الاقتصاديّ والماليّ والتشريعيّ، إلى جانب تركيز كبير على الملفّات السياسيّة والأمنيّة

الدّور الفرنسيّ وحدود التّأثير

تعلم باريس محدوديّة قدرتها على التأثير المباشر على إسرائيل، وتعتمد على واشنطن في التعامل معها، على الرغم من أنّ “الحزب” يفضّل فرنسا في تمرير الأفكار والنصائح، وتدرك أنّ لبنان، من دون إصلاحات اقتصاديّة وجيش قويّ وتهدئة إقليميّة، سيبقى عالقاً في دائرة مفرغة من نزع سلاح غير مكتمل وضغط خارجيّ وشلل سياسيّ دائم.

إقرأ أيضاً: فرنسا تتحرّك: لوجاندر إلى بيروت… هل يتبعها ماكرون؟

تكثّف فرنسا جهودها لمنع أيّ تصعيد غير محسوب، ولا تتراجع عن دورها في لبنان أو توقف مبادراتها المتواصلة لمساعدته. تسعى إلى الحفاظ على موقع الوسيط الفاعل والإيجابيّ في المفاوضات المقبلة ضمن مشهد إقليميّ محتدم.

يبقى السؤال: ماذا سيُنتج الحراك الفرنسيّ في نهاية المطاف؟

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ElMehiedine

مواضيع ذات صلة

إيران وأميركا: حربٌ مؤجّلة وأذرع بلا مخالب

تتبادل واشنطن وطهران التهديدات فيما تواصل الولايات المتّحدة تعزيز حضورها العسكريّ في المنطقة، وهو ما يفتح الباب أمام تفسيرات متناقضة. فهناك من يعتبر أنّ هذا…

لبنان أبلغ إسرائيل: ضرباتكم تفيد “الحزب”

يغرق المسؤولون اللبنانيّون في حيرة حيال منهجيّة واشنطن لاستكمال تطبيق اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة. جوهر بنود الاتّفاق الـ13 يقوم على عنوانَين: سحب سلاح “الحزب” وقيام…

“فتح” ليست فصيلاً ولا نظاماً.. فما هي إذاً؟

أما زالت “فتح” حركة تقود المشروع الوطنيّ أم عنواناً يستند إلى تاريخه؟ هل أضعفتها السلطة أم أنقذتها؟ وأين تبدأ مسيرة الإنقاذ: من داخلها أم من…

النّيل على صفيح ساخن

دخل الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب مجدّداً على خطّ الخلاف المصريّ–الإثيوبيّ على سدّ النهضة، متعهّداً العمل على حلّه على الرغم من تعقيده، غير أنّ هذا التدخّل…