قمّة الحسم بين الرّئيس والأمير

مدة القراءة 7 د

من بين كلِّ القمم واللقاءات التي عقدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ولايته الثانية مع قادة العالم، بمَن فيهم الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين، ستكون قمّتُه مع وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان في 18  الجاري، الأهمّ. ليس للعلاقة الشخصيّة والودّيّة التي تربط الرجلين فحسب، بل لأنَّها تأتي في أوج زلزال زعزع أركان الشرق الأوسط، وتصدّرت الرياض المواجهة الدبلوماسيّة فيه، رابطةً أيّ انخراط في الاتّفاقات الإبراهيميّة بحلّ القضيّة الفلسطينيّة وإقامة الدولة التي طال انتظارُها منذ 77 عاماً.

 

 

ليست السعوديّة دولة عابرة أو هامشيّة، وهي بالتالي لن تكون رقماً إضافيّاً في الاتّفاقات الإبراهيميّة يُباهي به ترامب ومن خلفه بنيامين نتنياهو. الدولة التي وضعت نفسها في مركز “خدمة الحرمين الشريفين”، تُدرك تماماً حجم المسؤوليّة العربيّة والإسلاميّة والإنسانيّة الكُبرى المُلقاة عليها في قضيّة فلسطين.

لعبت أدواراً سياسيّة ودبلوماسيّة عقلانيّة في معظم مراحل الصراع، ولم تمانع القيام ببعض الخطوات الرمزيّة حيال إسرائيل قبل حرب الإبادة الأخيرة. إلّا أنَّها قائدةً للعالم الإسلامي حافظت على الخطّ البيانيّ الواضح الذي يربط أيّ تقدّم عربيّ صوب إسرائيل بإقامة دولة فلسطينيّة مستقلّة عاصمتها القدس الشرقيّة وحدودها عام 1967. هذا كان دأبُها من عهد الملك عبدالعزيز، مروراً بقمّة بيروت العربيّة عام 2002 التي جاءت بمبادرة سعوديّة للسلام، وصولاً إلى الموقف الحاليّ الذي ذهب إلى حدّ عقد مؤتمر خاصّ في الأمم المتّحدة لحلّ الدولتين والاعتراف بدولة فلسطين.

ليس مُهمّاً ما قاله الرئيس ترامب في الساعات الماضية في طريقه إلى فلوريدا لقضاء إجازته الأسبوعيّة، من أنَّ “اتّفاقات أبراهام ستكون جُزءاً من مباحثاتنا، وآمُل أن تُبرِمَ السعوديّة اتّفاقاتِ أبراهام قريباً”، لكنَّ الأهمّ هو استعدادُ سيّد البيت الأبيض وفريقه لتقديم ما لم يقدّمه غيرُهم لفلسطين، ومستوى الضغط الذي سيمارسه ترامب على نتنياهو وفريقه المتطرّف للعودة إلى منطق السلام، بدلاً من استكمال حرب الإبادة، وقضم ما بقي من الضفّة الغربيّة. لا غرو في القول إنّ الموقف العربيّ بشكل عامّ الذي تصدّرته السعوديّة ومصر في الفترة الأخيرة مع دول عربيّة وإسلاميّة وأوروبيّة، هو الذي دفع ترامب مستنداً إلى ضغوط الرأي العامّ، صوب وقف حرب غزّة والتخلّي عن فكرة تأييد ضمّ الضفّة الغربيّة.

ليست السعوديّة دولة عابرة أو هامشيّة، وهي بالتالي لن تكون رقماً إضافيّاً في الاتّفاقات الإبراهيميّة يُباهي به ترامب ومن خلفه بنيامين نتنياهو

عوامل إسناد

يذهب الأمير محمّد بن سلمان إلى البيت الأبيض، متسلّحاً بمجموعة عوامل إسناد يُضطرّ معها ترامب إلى جعل هذه القمّة استثنائيّة إذا ما أراد تحقيق إنجاز عالميّ حقيقيّ، وأبرزها التالي:

  • نتائج زيارة ترامب للسعوديّة والإمارات وقطر في أيار الماضي، التي حقّقت فوائد اقتصاديّة هائلة كان يحتاج إليها في مستهلّ ولايته لإقناع ناسه بأنّه يحقّق وعوده بجعل أميركا تنتعش اقتصاديّاً. ما يزال بحاجة إلى صفقات كُبرى يملك العديد من مفاتيحِها الأمير محمّد في مجالات عديدة، وتحتاج إليها السعوديّة لاستكمال رؤية 2030 في مقدّمها التكنولوجيا العالية والذكاء الاصطناعيّ وصفقة طائرات F35 والبرنامج النوويّ السلميّ وغيرها.

لا ننسى أنّ الاستثمارات السعوديّة في الولايات المتّحدة (سواء المباشرة أو تلك التي عبر صناديق الاستثمار مثل صندوق الاستثمارات العامّة) تتجاوز 100 مليار دولار في قطاعات متنوّعة مثل التكنولوجيا (أوبر، وياندكس) والترفيه (ديزني) والطاقة وغيرها.

  • نجاح السعوديّة في جمع أكبر عدد من الدول العربيّة والإسلاميّة والأوروبيّة لدعم الحلّ الفلسطينيّ ورفع مستوى الضغط على واشنطن لتعديل وجهة نظرها والقبول بوقف الحرب على غزّة من جهة، والعودة إلى منطق السلام والتفاوض من جهة ثانية. لم يكن من السهل في هذا السياق أن ترأس السعوديّة وفرنسا مؤتمر نيويورك لحلّ الدولتين، الذي لاقى ترحيباً عالميّاً كبيراً ووسّع نطاق الدعم لدولة فلسطين الموعودة.
  • تحقيق السعوديّة قفزة دوليّة كُبرى في سياق البحث عن توازنات تفيد منها، فتبادلُها التجاريّ مع الصين تخطّى 116 مليار دولار سنويّاً، مقابل نحو 80 مليار مع أميركا. لم يتردّد الأمير محمّد في عهد الرئيس جو بايدن في التلويح بوجود بدائل للولايات المتّحدة، والتذكير بأنّ النفط السعوديّ هو الذي ساهم في نهضة أميركا.
  • نجاح الرياض في عقد اتّفاق دفاعيّ مشترك مهمّ واستراتيجيّ مع باكستان التي تملك سلاحاً نوويّاً، مع كلّ ما يحمله من إشارات إلى تعزيز القدرات العسكريّة والدفاعيّة السعوديّة، لكنّ إشارات تحذير لإسرائيل أيضاً، وربّما، إشارات لواشنطن للقول إنّ ثمّة بدائل موجودة إن تمنّعت واشنطن عن دعم الرياض في إقامة برنامج نوويّ سلميّ.
  • سحب السعوديّة فتيل التفجير مع إيران، أي سحب الورقة التي كانت الولايات المتّحدة الأميركيّة وإسرائيل والغرب يلعبونها في سياق الابتزاز الدائم، فكانت هذه الدول تقدّم نفسها حامية للمملكة ضدّ إيران، بينما لم تفعل شيئاً بالفعل حين هاجم شركة “أرامكو” الحوثيّون المتحالفون مع طهران. الاتّفاق السعوديّ الإيرانيّ الذي تمّ توقيعُه في الصين وليس في أيّ دولة غربيّة، آخذ بالتقدّم والتوسّع، تماماً كما توسّعت العلاقة مع تركيا.

يرى نتنياهو بأمّ العين مدى النشاط السعوديّ المتجدّد في لُبنان بحثاً عن حلول لسحب سلاح “الحزب” ومواكبة الإصلاحات وإعادة الاستثمارات

إسرائيل قلقة

كلُّ هذا في الواقع يُقلق إسرائيل. فيما كان نتنياهو يُباهي ويجاهر بأنَّ التطبيع مع السعوديّة بات مسألة أسابيع، صار اليوم مُحاصَراً من قبل الدبلوماسيّة السعوديّة، ليس في الملفّ الفلسطينيّ فحسب، بل أيضاً في ملفّات أخرى، بينها سوريا التي يُدرك تماماً أنَّ الاحتضان السعوديّ لها حاليّاً يهدف إلى منع تقسيمها وإلى صدّ هجمات إسرائيل عليها، وإلى دفعها للتروّي في أيّ تطبيع.

إلى ذلك يرى نتنياهو بأمّ العين مدى النشاط السعوديّ المتجدّد في لُبنان بحثاً عن حلول لسحب سلاح “الحزب” ومواكبة الإصلاحات وإعادة الاستثمارات، وهو يُدرك أنَّ تحقيق ذلك سيسحب من يد إسرائيل ورقة مهمّة في لُبنان الذي يفيدها حين يكون مقسّماً ومدمّراً أكثر ممّا يفيدها حين تستعيد الدولة فيه حضورها الكبير.

لم تخجل إسرائيل في التعبير عن امتعاضها وقلقها من زيارة الأمير محمّد لواشنطن. فها هي صحيفة معاريف الإسرائيليّة تقول إنَّ قلقاً كبيراً يتنامى في إسرائيل بسبب استضافة الرئيس ترامب لوليّ العهد السعوديّ في البيت الأبيض الثلاثاء المقبل، مضيفةً أنَّ “صفقة الأسلحة المحتملة لبيع طائرات “إف-35″ للسعوديّة تثير مخاوف بشأن الحفاظ على التفوّق العسكريّ النوعيّ لإسرائيل في المنطقة”.

إقرأ أيضاً: بن سلمان- ترامب: حماية لبنان بعد تحصين سوريا؟

في الواقع ليست صفقة الطائرات وحدها ما يقلق إسرائيل، بل دور الدبلوماسيّة السعوديّة المتنامي في عهد الأمير محمّد بن سلمان، الذي وإن كان لا يرفض مبدأ التطبيع يُدرك تماماً أنّه ينبغي لجم التطرّف الإسرائيليّ الذي مارس كلَّ صنوف الإبادة بحقّ الشعب الفلسطينيّ وجاهر بأطماعٍ توراتيّة في كلّ المنطقة وهدّد مصرَ والأردن وصولاً إلى الخليج وقصف قطر.

آمالٌ عربيّة وإسلاميّة ومسيحيّة كبيرة مُعلّقة على هذا الموقف السعوديّ، الذي نجح في وساطات كثيرة في السنوات الماضية لوأد حروب وأزمات عديدة، وذلك أنّه إذا تنازلت السعوديّة فقد ينهار آخر سدّ دبلوماسيّ حقيقيّ ضدّ جنون نتنياهو وصحبه. وهي حتماً لن تتنازل.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@samykleyb

مواضيع ذات صلة

السّؤال الإيرانيّ الكبير على شطّ العرب

قبل مئة عام وبضعة أشهر، رسا يختٌ فاخر في شطّ العرب على مقربة من المحمّرة، عاصمة الأحواز. كان أميرها العربيّ خزعل الكعبيّ قد وطّد حكمه…

تركيا تنصح إيران: العالم كلّه تغيّر

لم تخفِ تركيا خلال العقدين الماضيين تنافر أجنداتها مع أجندات إيران في المنطقة. استبطن الجدل شراسة التنافر في مصالح أنقرة وطهران. تعايش البلدان داخل آليّة…

اليمن: السّعوديّة من إدارة الحرب إلى هندسة الاستقرار

تنتقل المملكة العربيّة السعوديّة عبر حوار جنوب اليمن الذي دعت إليه وتستضيفه في الرياض قريباً، من مرحلة إدارة الحرب إلى مرحلة هندسة الاستقرار.   يأتي…

هل صحيح أنّنا صمدنا 66 يوماً؟

منذ شهور، تحاول ماكينة “الحزب” الإعلاميّة والسياسيّة، أن تسوّق فكرة غير صحيحة إطلاقاً: شباب “الحزب” صمدوا في الجنوب 66 يوماً ومنعوا الاحتلال. وهو ادّعاء لا…