الاستثمارات “تصالح” أميركا والصّين

مدة القراءة 6 د

بوتيرة ثابتة كقطار يسير بلا توقّف، تواصل الكويت مسيرة التغيير والتنمية على قاعدة تعويض ما فات واللحاق بالرَكب الخليجيّ التنمويّ، تمهيداً لإنهاء حقبة الاعتماد الكلّيّ على النفط، تماماً كما الحال في السعوديّة والإمارات.

 

في هذا المشهد، وبخلاف الساحات الأخرى ومساحات المواجهة الثنائيّة، تبدو الولايات المتّحدة والصين “مُتصالحتين” في الكويت: الثانية تتولّى تنفيذ المشاريع الكبرى، والأولى تُساهم عبر شركاتها في تعزيز الاستثمار والتحوّل الرقميّ الشامل والتكنولوجيا الذكيّة.

على الرغم من النَسَق التصاعديّ للعلاقات مع الصين في العامين الأخيرَين، لم تُغفل الكويت الشراكات الأخرى مع الولايات المتّحدة، استثماريّاً وتجاريّاً وتكنولوجيّاً. إذ عملت بالتوازي مع تنفيذ الاتّفاقات الموقّعة مع بكين بشأن المشاريع الكبرى، وأهمّها ميناء مبارك وبناء مدن سكنيّة جديدة، على توقيع اتّفاقات جديدة مع الشركات الأميركيّة الكبرى، مثل “غوغل” و”مايكروسوفت” و”غولدمان ساكس” و”بلاك روك”.

تدرك الكويت الحساسيّة الأميركيّة المُفرطة تجاه أيّ انفتاح على الصين أو تشريع للأبواب أمام شركاتها، لكنّها تعاملت بذكاء مع ذلك من خلال تعزيز العلاقات الاقتصاديّة والاستثماريّة مع الشركات الأميركيّة.

الصّين: متابعة يوميّة

منذ زيارة أمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد للصين في أيلول 2023، وكان حينذاك وليّاً للعهد، تتعامل الكويت مع الصين على أنّها شريك “كامل المواصفات” في المشاريع الكبرى، وعلى رأسها ميناء مبارك الكبير الذي سيتمّ توقيع عقد تنفيذه قريباً بعد انتهاء دراسات التصميم. هو أهمّ مشروع استراتيجيّ حيويّ تعوّل عليه الكويت لإقامة ممرّ إقليميّ آمن ومركز تجاريّ في المنطقة، فيما يسعى الجانب الصينيّ إلى ربطه بمبادرة “الحزام والطريق”.

تتعامل الكويت مع الصين على أنّها شريك “كامل المواصفات” في المشاريع الكبرى

مطلع الشهر الحالي، زار الكويت نائب رئيس الصين هان تشينغ، والتقى أميرها الشيخ مشعل الأحمد، ورأس المباحثات الرسميّة مع ولي عهدها الشيخ صباح الخالد الحمد الصباح، وجرى الاتّفاق بين الجانبين على تذليل العقبات ومساعدة الشركات للمضيّ قدماً في أعمال التنفيذ.

في انعكاس لجدّيّة الكويت، تعقد “اللجنة الوزاريّة لمتابعة تنفيذ المشاريع الكبرى”، منذ 33 أسبوعاً، اجتماعات دوريّة كلّ أسبوع برئاسة رئيس الوزراء الشيخ أحمد عبدالله الأحمد الصباح، للوقوف على مستجدّات التعاون في تنفيذ الاتّفاقات، وإزالة العقبات التي تظهر تباعاً مع توالي مراحل التنفيذ، وخاصّة أنّ أعمال التخطيط والتصميم والتنفيذ تتولّاها شركات حكوميّة صينيّة بموجب اتّفاقات ومذكّرات مع الوزارات والجهات الحكوميّة الكويتيّة.

الكويت

في الاجتماع الأخير للجنة المشاريع الكبرى، وصف رئيس الوزراء الاتّفاقات التي وُقّعت في أيلول 2023 بأنّها “الأهمّ في تاريخ العلاقات الكويتيّة – الصينيّة”، وأنّها “تهدف إلى تعزيز وترسيخ الشراكة الاستراتيجيّة”.

تثق الحكومة الكويتيّة بقدرة الشركات الصينيّة على الإنجاز في الآجال المحدّدة، وخاصّة في المشاريع “الميغا”، بالنظر إلى تجاربها الناجحة في دول مجاورة، في مقدَّمها السعوديّة، حيث تنفّذ مشاريع ضخمة لإنشاء أكثر من 24 ألف وحدة سكنيّة ضمن خطّة طموحة لإنشاء 100 ألف وحدة سكنيّة صينيّة – سعوديّة بحلول 2030.

8 عوامل

من جهتها، تكُنّ الصين للكويت تقديراً خاصّاً، وتعتبرها شريكاً استراتيجيّاً، استناداً إلى 7 عوامل أساسيّة:

1- الكويت أوّل دولة خليجيّة أقامت علاقات دبلوماسيّة مع الصين في آذار 1971.

2 – الكويت ملتزمة كلّيّاً بمبدأ “الصين الواحدة”.

3 – الكويت لديها في الصين أكبر عدد من البعثات الدبلوماسيّة في بلد واحد (السفارة في بكين منذ 1972، 3 قنصليّات عامّة في مدن هونغ كونغ منذ 1999، وقوانغتشو منذ 2008، وشنغهاي منذ 2019).

بوتيرة ثابتة كقطار يسير بلا توقّف، تواصل الكويت مسيرة التغيير والتنمية على قاعدة تعويض ما فات واللحاق بالرَكب الخليجيّ التنمويّ

4 – الكويت ساعدت الصين منذ 1982 وكانت في ذلك الوقت من أولى الدول العربيّة وأكثرها تقديماً للقروض الحكوميّة المُيسّرة إلى الصين.

5 – الكويت أوّل بلد عربيّ استثمر في الصندوق السياديّ الصينيّ بنحو 10 مليارات دولار منذ عام 2005.

الكويت

6 – الصين أكبر شريك تجاريّ للكويت، إذ يبلغ حجم التجارة الثنائيّة أكثر من 23 مليار دولار، وهي ثاني أكبر وجهة لصادرات النفط الخام الكويتيّ.

7 – في حزيران 2016، أصبحت الكويت أوّل دولة في الشرق الأوسط توقّع وثيقة تعاون للمشاركة في مبادرة “الحزام والطريق” التي طرحتها الصين.

8 – تحتضن الكويت المركز الثقافيّ الصينيّ الوحيد في منطقة الخليج.

التّكنولوجيا والاستثمار مع أميركا

على الرغم من رؤية الكويت الإيجابيّة لتوسيع العلاقات مع الصين، تحرص في الوقت نفسه على تمتين العلاقات الاستثنائيّة مع الولايات المتّحدة، وخاصّة أنّها تتمتّع منذ 2004 بتصنيف “حليف رئيس للولايات المتّحدة خارج حلف شمالي الأطلسي”، وتستضيف منذ مطلع التسعينيّات قواعد أميركيّة هي الأكبر في المنطقة.

فيما تشكّل استثمارات الكويت في الولايات المتّحدة حوالي 30% من استثمارات صندوق الثروة السياديّ البالغ حجمه حوالي تريليون دولار، وسّعت في الآونة الأخيرة نطاق التعاون مع الشركات الكبرى في إطار سعيها إلى تعزيز “الاستثمارات المباشرة ذات القيمة المضافة، مع التركيز على تنمية الكفاءات الوطنيّة وتعزيز الشراكات الطويلة الأجل”.

انعكَسَ ذلك في افتتاح بنك “غولدمان ساكس” مكتباً له في الكويت، استجابة لرغبتها في جذب رؤوس الأموال العالميّة وإعادة التموضع كمركز ماليّ إقليميّ، وخاصّة أنّ العلاقة بين الجانبين عمرها أكثر من 50 عاماً.

إقرأ أيضاً: شبكة طبّيّة لتمويل “الحزب” في الكويت؟

جاءت خطوته بعد قرار “بلاك روك” فتح مكتب في الكويت، فيما تدرس شركات كبرى مثل “كارلايل غروب” (Carlyle Group Inc)، و”فرانكلين تمبلتون” (Franklin Templeton)، و”ستيت ستريت” (State Street) أيضاً افتتاح مكاتب مماثلة.

مواضيع ذات صلة

إسرائيل تستنجد بواشنطن: أوقفوا “الحملة السّعوديّة”

فقدت إسرائيل الأمل في الحصول على تطبيع لعلاقاتها الدبلوماسيّة مع السعوديّة. وصل اليأس إلى درجة سقوط الرماديّة في لهجة ساسة إسرائيل وإعلامها، والتحوّل من الغمز…

حروب الادامةالاستراتيجية:كيف تدار الصراعات حين لايكون الحسم هدفاً؟

من سؤال: من يُضرَب؟ إلى سؤال: من يتحمّل كلفة الزمن… ولماذا؟ حين لا تعود الحرب حدثاً بل نظام تشغيل: تُخطئ التحليلات التقليديّة حين تُقارب الصراعات…

يا حامل المطرقة: لا تسمح للشيعة بالانتحار

العقل هو الفيصل يا دولة الرئيس. لا العواطف ولا العصبيات ولا الردح فوق المنابر وفوق الشرفات. العقل هو الميزان يا دولة الرئيس. لا الصراخ ولا…

من باب المندب إلى دارفور: السّعوديّة ومصر تكسران الأطواق

لم تُعلن مصر رسميّاً مشاركتها في الاتّفاقيّة الأمنيّة السعوديّة–الباكستانيّة التي أُبرمت العام الماضي، غير أنّها باتت في الواقع شريكاً أساسيّاً في هذا التحالف، الذي يضمّ…