فضّل سوريّون أن يقبعوا في سجن رومية على أن يُسلَّموا إلى بشّار الأسد. خلف هذه العبارة تقف ملفّات معقّدة لسجناء سوريّين ما يزالون داخل رومية منذ سنوات. هم موقوفون بتهم سياسيّة أو ما يُعرف بمناصرة الثورة السوريّة، عالقون بين قرارات قضائيّة مؤجّلة وتوازنات سياسيّة حسّاسة. كشف الوصول إليهم واقعاً غامضاً يتجاوز حدود السجن إلى عمق العلاقة المعقّدة بين لبنان وسوريا.
تحرّك ملفّ الموقوفين السوريّين في لبنان أخيراً، مع تسجيل انفراجة تمثّلت في زيارتين متتاليتين لوفدين سوريَّين رفيعين لبيروت: الأولى برئاسة وزير الخارجيّة السوريّ أحمد الشيباني، والثانية لوزير العدل مظهر اللويس. ازداد الزخم في هذا الملفّ بعد تغريدة لعضو الكونغرس الأميركيّ جو ويلسون دعا فيها حكومتَي لبنان وسوريا إلى التعاون لإطلاق آليّة تُسرّع الإفراج عن السجناء السوريّين الموقوفين في لبنان بتهم سياسيّة. تغريدة ويلسون، التي كتب فيها أنّ “الحزب” سجنهم لمعارضتهم نظام الأسد الوحشيّ، أعادت تسليط الضوء على قضيّةٍ شائكة تتقاطع فيها السياسة بالأمن، والإنسانيّة بالقانون.
أرقام تكشف حجم الأزمة
تشير آخر الأرقام التي حصل عليها “أساس” من مصدرٍ رسميّ إلى أنّ عدد السجناء السوريّين في لبنان يبلغ 2,637 موقوفاً، يتمركز نحو 80% منهم في سجن رومية، وتحديداً داخل المبنى “ب” من السجن المركزيّ.
بين هؤلاء يوجد نحو 200 موقوف على خلفيّة سياسيّة، معظمهم من المناصرين للثورة السوريّة والمعارضين لنظام المخلوع بشّار الأسد. ويراوح عدد غير المحكومين بين 60 و90 موقوفاً، بعضهم موقوف منذ أكثر من) 9 سنوات بلا حكم، فيما يبلغ عدد المحكومين ما بين 70 و90 شخصاً صدرت بحقّهم أحكامٌ تراوح بين السجن لمدّة 15 سنة والمؤبّد والإعدام.
أمّا عدد السجناء المصنّفين إسلاميّين فيُقدَّر بحوالي 400 شخص، بينهم نحو 140 سوريّاً. تُظهر المعطيات أنّ 55% من هؤلاء لم يُحاكَموا بعد، في حين خضع 45% منهم فقط لأحكامٍ متفاوتة.
ينظر السجناء السوريّون في لبنان إلى زيارة الرئيس أحمد الشرع للولايات المتّحدة الأميركيّة كنافذة أمل قد تفتح طريق الانفراج في قضيّتهم
البعد القانونيّ والحقوقيّ
ينصّ القانون اللبنانيّ على أنّ كلّ من ارتكب جرماً على الأراضي اللبنانيّة يُحاكم أمام القضاء اللبناني، مع ضمان حقّه في محاكمة عادلة وحقّ الدفاع عن النفس، وهو مبدأ يُفترض أن يشمل جميع الموقوفين من دون استثناء.
من هذا المنطلق، يبرز النداء المتكرّر للإسراع في المحاكمات، ريثما ينضج مسار قانون العفو العامّ أو الجزئيّ القادر على معالجة حالات إنسانيّة وقضائيّة معلّقة منذ سنوات.
تُضاف إلى ذلك ضرورة تطبيق المادّتين 108 و111 من قانون أصول المحاكمات الجزائيّة المتعلّقتين بإخلاء السبيل، ليُصار إلى إطلاق سراح السوريّين والإسلاميّين الذين تنطبق عليهم شروط هاتين المادّتين القانونيّتين، التزاماً بمبدأ العدالة والمساواة أمام القانون.
أولويّات دمشق وضغوط خارجيّة
تُظهر المعطيات أنّ دمشق تضع ملفّ الموقوفين السوريّين في لبنان في صدارة أولويّاتها، وتسعى إلى تسويته قبل أيّ ملفّ آخر. تكشف مصادر مطّلعة لـ”أساس” عن ضغوط تُمارسها جهات خارجيّة داعمة للسلطة السوريّة الحاليّة لدفع بيروت نحو اتّفاق سريع بهذا الخصوص، وهو ما برز أيضاً في تغريدة السناتور الأميركيّ جو ويلسون التي عكست الاهتمام الدوليّ المتجدّد بالملفّ.
في المقابل، تؤكّد أوساط رسميّة سوريّة لـ”أساس” أنّ توقيف هؤلاء جرى في مرحلة سابقة وبناءً على تنسيق أمنيّ مع النظام السابق، إلّا أنّ استمرار احتجازهم لم يعد يستند إلى أيّ مبرّر واضح.

رسالة إلى ترامب وتواصل مع ويلسون
يفيد أحد السجناء السوريّين في سجن رومية، خلال تواصلٍ مع “أساس”، أنّ أحد الموقوفين يعمل على إعداد رسالة خطّيّة موجّهة إلى الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، تتناول أوضاع السجناء الموقوفين بتهمٍ ذات طابع سياسيّ، وظروف احتجازهم داخل السجن.
بحسب السجين نفسه، تهدف الرسالة إلى لفت الانتباه الدوليّ إلى أوضاعهم والمطالبة بإيجاد حلّ لقضيّتهم. يُذكر أنّ أحد الموقوفين السوريّين تواصل في وقتٍ سابقٍ هاتفيّاً مع عضو الكونغرس الأميركي جو ويلسون، ناقلاً له تفاصيل معاناتهم ومحاولاتهم إيصال صوتهم إلى الخارج.
تفيد مصادر سوريّة لـ”أساس” بأنّ دمشق تتابع باهتمام مسار المباحثات الجارية في ملفّ الموقوفين
يؤكّد السجين أنّ خلفيّة توقيفه تعود إلى تأثير “الحزب” ونفوذه داخل بعض مفاصل القضاء والمحاكم في مرحلة سابقة. يشير إلى أنّ النائب الأميركيّ جو ويلسون تفاعل بشكل لافت مع ما نُقل إليه من تفاصيل، متعهّداً بإيصال صوت الموقوفين ومعاناتهم إلى البيت الأبيض ومراكز القرار في واشنطن.
أمراض ويأس لا ينتهي..
تتعدّد قصص الموقوفين غير المحكومين في سجن رومية، غير أنّ شهادة أحدهم تختصر حجم المعاناة المستمرّة. يقول لـ”أساس” إنّه لا يزال قيد التوقيف منذ سنوات من دون صدور أيّ حكم بحقّه، مضيفاً: “لم يصدر أيّ قرار بشأننا حتّى الآن. أمضينا سنوات خلف القضبان، وأصابتنا أمراض جلديّة ويأس لا ينتهي”.
تعكس كلماته واقع عشرات الموقوفين الذين يعيشون بين انتظارٍ طويل وإجراءاتٍ قضائيّة لم تُستكمل بعد، فيما الزمن داخل السجن يبدو متجمّداً عند لحظة الاعتقال.
يقول أحد السجناء إنّه إلى جانب عددٍ من المحكومين اضطرّ إلى الإدلاء باعترافاتٍ خلال التحقيق تحت وطأة التعذيب، ولا سيّما النفسيّ منه، حين كان يُستَخدم جلب أحد أفراد العائلة وسيلةَ ضغطٍ عليهم.
يحكي سجناء رومية عن ماءٍ “لا تشربه الدواب”، ماء ملوّث يتحوّل إلى امتحانٍ يوميّ للبقاء. يقول أحدهم: “إذا مرضنا… إنت وحظّك يا بتموت يا بتعيش”. تتصدّر أمراض الجلد والحكّ لوائح معاناتهم المستمرّة، في ظلّ ظروفٍ صحّيّة متردّية ورعايةٍ طبّيةٍ غير كافية.
أمّا الطعام فله حكاية أخرى. يُسمح للمسجون بالحصول على مونة من ذويه مرّة واحدة في السنة، لكنّ معظمها لا يصمد أمام قسوة ظروف السجن والرطوبة والوقت، فيتلف بعضها قبل أن يُستهلك.
داخل السجن “دكّانة” يشتري منها الموقوفون بعض الحاجيّات، غير أنّ أسعارها، كما يؤكّد السجناء، مرتفعة مقارنة بالخارج، وهو ما يجعلها رفاهية لا يقدر عليها الجميع.
تتعدّد قصص الموقوفين غير المحكومين في سجن رومية، غير أنّ شهادة أحدهم تختصر حجم المعاناة المستمرّة
بين شهادات المساجين، تكرّر ذكر اسم العميد المتقاعد منير شحادة، الرئيس السابق للمحكمة العسكريّة الدائمة، إذ يتّهمه أكثر من موقوف بإصدار أحكامٍ قاسية وظالمة بحقّهم، على خلفيّة ما يصفونه بـ”سياساته الموالية” لـ”الحزب”.
يُذكر أنّ منظّمة العفو الدوليّة أصدرت تقريراً صادماً عام 2021 أكّدت فيه أنّ قوى الأمن اللبنانيّة ارتكبت انتهاكات مروّعة بحقّ لاجئين سوريّين تمّ اعتقالهم، غالباً بشكلٍ تعسّفي، بتهمٍ تتعلّق بالإرهاب، مستخدمةً بعض أساليب التعذيب نفسها المتّبعة في أسوأ السجون السوريّة سمعةً.
قال المحتجَزون للمنظّمة إنّهم تعرّضوا لأساليب تعذيب مألوفة مثل “بساط الريح” (حيث يُربط المرء بلوحٍ قابلٍ للطيّ)، و”الشَّبْح” (عندما يُعلّق الشخص من معصمَيه ويتعرّض للضرب)، و”البلانكو” التي تتضمّن تعليق الشخص لساعاتٍ طويلة مع تكبيل معصميه خلف ظهره.
في حالاتٍ كثيرة، اعتمد القضاة على اعترافاتٍ انتُزعت تحت التعذيب أو على أدلّةٍ مصدرها مخبرون غير موثوقين، فيما استندت إداناتٌ عدّة إلى تهمٍ غامضة وفضفاضة تتعلّق بالإرهاب. أكّد 14 محتجَزاً على الأقلّ لمنظّمة العفو الدوليّة أنّهم “اعترفوا” بجرائم لم يرتكبوها، بعد تعرّضهم للتعذيب أو للتهديد المباشر.
ضباط النظام البائد بخير..
يعبّر أحد الموقوفين بتهمة معارضة النظام السوريّ السابق والتآمر على الوطن عن عتبه على الدولة اللبنانيّة، فيقول: “تُؤوي ضبّاط النظام السوريّ السابق فيما تُبقي سجناء الرأي خلف القضبان”. يشير إلى أنّ تغريدة رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكيّ السابق وليد جنبلاط، التي أطلقها قبل أيّام وتحدّث فيها عن “مخاطر كامنة جرّاء وجود رواسب أمنيّة للنظام السوريّ السابق في لبنان”، أعادت فتح الجرح من جديد.
يتساءل الموقوف: “كيف يمكن للدولة أن تُبقي سجناء سياسيّين في السجن، بينما يعيش أركان النظام السوريّ السابق من عسكريّين وغير عسكريّين بحرّية تامّة على الأراضي اللبنانيّة، وهم أنفسهم السبب في معاناتنا؟”.
يفيد أحد السجناء السوريّين في سجن رومية، خلال تواصلٍ مع “أساس” أنّ أحد الموقوفين يعمل على إعداد رسالة خطّيّة موجّهة إلى ترامب
موقف دمشق واستعداد للتّعاون
تفيد مصادر سوريّة لـ”أساس” بأنّ دمشق تتابع باهتمام مسار المباحثات الجارية في ملفّ الموقوفين، وأبدى أحد المسؤولين السوريّين خلال الاجتماعات الأخيرة استعداد بلاده للتعاون الكامل في هذا الشأن.
يشير المصدر إلى أنّ دمشق معنيّة أيضاً بمصير عدد من اللبنانيّين الذين أُوقفوا في فترات سابقة بسبب معارضتهم للنظام السابق، مضيفاً أنّ بلاده لا تسعى إلى ممارسة أيّ ضغط على بيروت، لكنّها مستعدّة لاستقبال من يُفرج عنهم إذا قرّرت السلطات اللبنانية ذلك.
تُصنّف دمشق هؤلاء الموقوفين ضمن فئتين:
1- مجموعة صغيرة قد تكون قامت بأعمال عسكريّة في لبنان، وتبدي استعدادها لضمان قضاء محكوميّاتهم في سجونها.
2- مجموعة أكبر تقول إنّها “أُوقِفت أو حُوكِمت لدعمها الثورة السوريّة”، وهي الأولويّة بالنسبة لدمشق. كرّر الوفد السوريّ خلال لقاءاته في بيروت استعداده لنقل جميع هؤلاء فوراً إلى الأراضي السوريّة.
إقرأ أيضاً: دمشق وملفّ عائلات “الهول” اللبنانية: نحن المرجعيّة
زيارة الشّرع لواشنطن
ينظر السجناء السوريّون في لبنان إلى زيارة الرئيس أحمد الشرع للولايات المتّحدة الأميركيّة كنافذة أمل قد تفتح طريق الانفراج في قضيّتهم، على أمل أن يشمل الحلّ ملفّهم أيضاً. تمثّل هذه الزيارة محطّة مفصليّة، إذ إنّ الشرع هو أوّل رئيس سوريّ يزور رسميّاً البيت الأبيض منذ 70 عاماً، وهي زيارته الثانية للولايات المتّحدة بعد مشاركته في أعمال الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة في أيلول الماضي.
لمتابعة الكاتب على X:
