البابا يستفزّ ترامب بلقاء دي نيرو

مدة القراءة 6 د

منذ انتخابه في أيّار 2025، حرص البابا ليو الرابع عشر، ابن شيكاغو، على توجيه انتقادات ضمنيّة، لكن حازمة لسياسات دونالد ترامب في مجالات الهجرة واللامساواة الاقتصاديّة والعلاقات الدوليّة، وهو ما جعل من الفاتيكان ثقلاً أخلاقيّاً يقف في مواجهة القوميّة المتشدّدة التي تهيمن على البيت الأبيض تحت شعار “أميركا أوّلاً”. لهذا يبدو أنّ لقاء البابا مع النجم الأميركيّ روبرت دي نيرو رفع من منسوب التوتّر بين الجهتين.

 

على الرغم من عدم عقد قمّة مباشرة بين الجانبين حتّى الآن، تشير التلميحات المتبادلة والتحرّكات غير المباشرة إلى احتمال تصاعد المواجهة بين قوّتين أميركيّتين تمزجان الإيمان بالسياسة والوطنيّة بأسلوب غير مسبوق.

أضاف لقاء البابا مع نجم هوليوود روبرت دي نيرو في روما يوم 7 تشرين الأوّل بعداً رمزيّاً إضافيّاً إلى هذه العلاقة الشائكة، بسبب انتقادات دي نيرو اللاذعة لترامب. كان دي نيرو في المدينة لتسلّم جائزة “لوبي كابيتولينا” المرموقة، وتبادل مع البابا مصافحة ودّيّة وكلمات مؤثّرة، وتلقّى منه مسبحة رمزيّة. اللقاء، الذي وصفه الممثّل بأنّه “لحظة عاطفيّة”، أثار عاصفة من الجدل على وسائل التواصل، بين من رأى فيه دليلاً على “تحيّز البابا ضدّ ترامب”، ومن اعتبره جسراً بين الإيمان والثقافة في زمن الانقسام.

رئيسٌ جاهل!

في أيّار 2025، أثناء تسلّمه جائزة الإنجاز مدى الحياة في مهرجان كان السينمائيّ، وصف روبرت دي نيرو ترامب بأنّه “رئيس جاهل” نصّب نفسه على رأس مؤسّسات ثقافيّة كبرى، يهاجم تمويل الفنون والتعليم والعلوم الإنسانيّة، معتبراً أنّ مثل هذه السياسات تهدّد الديمقراطيّة والإبداع.

في وقت سابق، خلال ظهوره في برنامجَي “ريل تايم” مع بيل ماهر و”جيمي كيميل لايف” في آذار 2024، وصف ترامب بأنّه “وحش كامل”، “غبيّ إلى درجة لا تُصدّق”، “مريض بالنرجسيّة الخبيثة” و”مختلّ اجتماعيّاً”، محذّراً من أنّ فوز ترامب في انتخابات 2024 سيكون بمنزلة “كابوس حقيقيّ” للولايات المتّحدة.

يبدو أنّ لقاء البابا مع النجم الأميركيّ روبرت دي نيرو رفع من منسوب التوتّر بين الجهتين

على الرغم من كلّ هذه الإهانات، التقى البابا مع دي نيرو، واحتمال غضب ترامب لم يثنِه عن عقد هذا اللقاء.

جذور أميركيّة وأعمال تبشيريّة في البيرو

يستمدّ البابا ليو الرابع عشر رؤيته من جذوره المتوسّطة الغربيّة في أميركا وخبرته الطويلة في الفاتيكان وأعماله التبشيريّة في أميركا اللاتينيّة، وخصوصاً في البيرو.

غير أنّ ولايته البابويّة سرعان ما كشفت التباينات الحادّة مع الرئيس الأميركيّ، وخاصّة في القضايا الإنسانيّة والاجتماعيّة. فبينما يركّز ترامب على السيادة القوميّة والحدود الصارمة ومصلحة “أميركا أوّلاً”، يرفع البابا لواء الرحمة العالميّة وتعاليم الكنيسة الاجتماعيّة التي تضع الإنسان أوّلاً.

البابا

تُعتبر الهجرة محور الخلاف الأكبر بين الجانبين. يستند البابا إلى التعاليم الكتابيّة الداعية إلى “استقبال الغريب”، وندّد بسياسات الترحيل الأميركيّة باعتبارها “غير إنسانيّة”، مدافعاً عن وحدة العائلات وحقّ المحتجَزين في الرعاية الروحيّة والوصول إلى الأسرار المقدّسة. انتقد أيضاً بشكل غير مباشر التهديدات الأميركيّة بقصف سفن فنزويليّة، داعياً إلى “تأمّل عميق” في معاملة المهاجرين واللاجئين.

في المقابل، يصرّ ترامب على نهجه المتشدّد، مدافعاً عن الترحيلات الجماعيّة وبناء الجدران الحدوديّة، مبرّراً ذلك بحماية الأمن القوميّ والوظائف. بالنسبة له، الأولويّة للمواطن الأميركيّ، ولو على حساب العائلات المهاجرة، وهو موقف يعيد إلى الأذهان خلافاته السابقة مع البابا فرنسيس في ولايته الأولى.

أمّا في ما يتعلّق بالعدالة الاجتماعيّة، فيؤكّد ليو الرابع عشر على “الخيار التفضيليّ للفقراء” في التعاليم الكاثوليكيّة، منتقداً الفجوات المتزايدة بين الأغنياء والفقراء. في المقابل، يراهن ترامب على التخفيضات الضريبيّة وحماية الصناعة الوطنيّة كسبيل لخلق الرخاء العامّ، على الرغم من اتّهامات خصومه بأنّه يخدم مصالح الشركات الكبرى أكثر من الطبقات الدنيا.

يرفع البابا لواء الرحمة العالميّة وتعاليم الكنيسة الاجتماعيّة التي تضع الإنسان أوّلاً

في ملفّ المناخ، يسير البابا الجديد على خطى سلفه فرنسيس، معتبراً الأزمة البيئيّة مسألة أخلاقيّة تتطلّب عملاً دوليّاً منسّقاً، منتقداً بشكل غير مباشر انسحاب واشنطن من التزاماتها البيئيّة وإلغاء القيود على الوقود الأحفوريّ.

مع أنّ الرجلين يشتركان في رفض الإجهاض، تتّسع مقاربة البابا “المؤيّدة للحياة” لتشمل معارضة عقوبة الإعدام والحروب، وهو ما يتعارض مع سياسات ترامب التي تدعم الإعدامات والتدخّلات العسكريّة. ويفاقم انفتاح ليو النسبيّ تجاه قضايا المثليّين التوتّر مع القاعدة المحافظة المؤيّدة لترامب.

متى يردّ ترامب؟

استناداً إلى تجارب الماضي، حين وصف ترامب البابا فرنسيس بـ”المخزي”، من المرجّح أن يردّ بعنف إذا استمرّت الانتقادات العلنيّة أو غير المباشرة من الفاتيكان. بالفعل، صدرت عن البيت الأبيض تصريحات تتّهم البابا ليو بـ”تشويه الحقائق” بشأن معاملة المعتقلين، في مؤشّر إلى تصعيد محتمل.

يشكّل الكاثوليك نحو 20% من الناخبين الأميركيّين، وهو ما يجعل مواقف البابا الجديدة عاملاً مؤثّراً في الخريطة السياسيّة. يميل الكاثوليك البيض إلى ترامب في قضايا الإجهاض والاقتصاد، بينما يتقارب الكاثوليك اللاتينيّون مع البابا في قضايا العدالة والهجرة.

قد يعيد هذا الانقسام رسم حدود “القوميّة المسيحيّة” داخل أميركا، حيث يتداخل الدين بالسياسة في مشهد متزايد التعقيد.

لم يكن لقاء البابا مع دي نيرو مشهداً بروتوكوليّاً، بل رمز للصراع الثقافيّ العميق في الولايات المتّحدة. بينما يرى أنصار ترامب في البابا “واعظاً يساريّاً”، يعتبره آخرون صوتاً ضميريّاً يحاول استعادة البعد الأخلاقيّ للسياسة.

إقرأ أيضاً: تحوُّل في المزاج الأميركيّ: لا دعم غير مشروط لإسرائيل

في زمنٍ يتسارع فيه الاستقطاب، يختصر هذا التوتّر بين الفاتيكان والبيت الأبيض سؤالاً جوهريّاً في شأن هويّة أميركا ذاتها: هل تبقى أمّة الإيمان والحرّية أم تتحوّل إلى قلعة قوميّة منغلقة على ذاتها تحت شعار “أميركا أوّلاً”؟

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mouafac

مواضيع ذات صلة

هرمز.. هرٌّ بمخالب مزدوجة

تُعتبر المضائق البحريّة شرايين حيويّة، سواء لناحية التجارة العالميّة أو للناحية الجيوسياسيّة والعسكريّة. بسبب موقعها الجغرافيّ، تتبوّأ هذه المضائق موقعاً مهمّاً للتحكّم في حركة ناقلات…

الاختبار الأصعب: الداخل التركي يطالب بالرّد على إيران؟

تعيد الحرب الدائرة على إيران اليوم، بشقّها الإقليميّ، اختبار واحد من أقدم التوازنات السياسيّة في الشرق الأوسط، وهو العلاقات التركيّة – الإيرانيّة. على الرغم من…

نعيم قاسم: سرديّة “النّصر” الإيرانيّ

هو الأسلوب الإيرانيّ نفسه وقد انتقل إلى لبنان: قتالٌ من دون التفات إلى موازين القوى، ومن دون مبالاة بالخسائر، مع التشبّث بسرديّة النصر، وما يترتّب…

حرب الأجندات المستحيلة

لا يعرف صنّاع هذه الحرب، ولو على وجه التقريب، متى تنتهي وكيف، مع أنّهم يعرفون لماذا أشعلوها.   المشتبكون مباشرةً فيها: إيران المُعتدى عليها، وإسرائيل…